ثقافة

قراءة في رواية "ألف شمس ساطعة" لخالد حسيني

2 مشاهدة قراءة 15 دقيقة

الكاتبة : سهى زيدان

هناك حيوات تبدأ قبل أن يختار أصحابها شيئًا منها. يولد الإنسان داخل بيت لم يختره، وفي زمن لم يقرر ملامحه، وبين أشخاص قد يمنحونه الحب أو يتركوا في داخله جرحًا يصعب أن يلتئم. ثم تمضي السنوات، ويكتشف أن حياته تشكلت، في أجزاء كثيرة منها، من أشياء لم يكن له يد فيها.

من هذه المنطقة المؤلمة تبدأ رواية "ألف شمس ساطعة" لخالد حسيني، الصادرة عام 2007، التي تمتد أحداثها قرابة ثلاثة عقود من تاريخ أفغانستان، لكن التاريخ فيها لا يظهر بوصفه مادة منفصلة عن الحكاية. إنه يدخل البيوت، ويغير مصائر أصحابها، ويصل إلى غرف النوم والمطابخ والأزقة، ويحدد أحيانًا ما إذا كان الطفل سيذهب إلى المدرسة، وما إذا كانت الأسرة ستبقى معًا، وما إذا كان الحب قادرًا على النجاة.

غير أن قوة الرواية لا تأتي من اتساع زمنها وحده. خلف هذا الامتداد التاريخي تقف حكاية امرأتين: مريم وليلى. امرأتان تفصل بين ولادتيهما سنوات كثيرة، وتجمعهما ظروف لم يكن لأي منهما أن يتوقعها. في البداية تبدوان غريبتين عن بعضهما، بل إن علاقتهما تحمل شيئًا من التوتر والرفض. ثم يحدث التحول ببطء، حتى تصبح إحداهما للثانية البيت الذي لم تجده في مكان آخر.

مريم هي الشخصية التي تحمل منذ طفولتها إحساسًا عميقًا بأنها ولدت في المكان الخطأ. ولدت خارج الزواج، وعاشت مع أمها نانا في كوخ بعيد عن المدينة. كان والدها جليل يزورها ويحكي لها ويمنحها شيئًا من الحنان، لكنه ظل رجلًا له حياته الأخرى، وعائلة أخرى، ومكانة اجتماعية لا يريد أن تهتز بسبب وجودها.

تتلقى مريم منذ صغرها درسًا قاسيًا في معنى أن تكون امرأة لا يملك الآخرون الشجاعة الكافية للاعتراف بها.

وحين تذهب إلى جليل، في محاولة طفولية لاستعادة أبيها، لا تجد ما كانت تتخيله. تعود إلى بيت أمها بعد أن انكسر شيء داخلها، فتجد نانا قد أنهت حياتها. ومنذ تلك اللحظة تبدأ مريم رحلتها الحقيقية؛ رحلة فتاة تُدفع سريعًا إلى عالم الكبار، ثم تُسلَّم إلى زواج لا يشبه أحلامها.

تتزوج مريم رشيد وهي في الخامسة عشرة. يكبرها بكثير، ويعامل الزواج باعتباره علاقة تقوم على الطاعة والامتلاك. في البداية تحاول أن تتعلم كيف تعيش معه، كيف تفهم مزاجه، كيف تحافظ على بيتها، وكيف تكون الزوجة التي يريدها. لكنها تفقد حملًا بعد آخر، ومع كل فقد يتسع الشرخ بينهما.

هنا تنجح الرواية في شيء بالغ الأهمية: لا تختزل مريم في حادثة واحدة. شخصيتها تتكون من تراكم طويل من الإذلال والخوف والصمت والانتظار. كل ما يحدث لها يترك أثرًا، حتى يصبح الصمت نفسه جزءًا من تكوينها.

ثم تدخل ليلى الحكاية.

ليلى مختلفة عن مريم في كل شيء تقريبًا. ولدت في بيت آخر، وتلقت من أبيها تصورًا مختلفًا عن الحياة. كانت المدرسة جزءًا من عالمها، وكان المستقبل بالنسبة إليها احتمالًا مفتوحًا. تحب طارق، وتحلم بحياة معه، وتصدق أن الأيام يمكن أن تأخذ الإنسان إلى مكان يختاره بنفسه.

لكن الحرب تدخل بين الحلم وصاحبه.

تفقد ليلى والديها، وتجد نفسها وحيدة، ثم تجد في رشيد الزوج الذي لم تختره. وحين تصبح زوجة ثانية له، تجد نفسها في البيت ذاته الذي عاشت فيه مريم. في البداية لا تعرف المرأتان كيف تقترب إحداهما من الأخرى. هناك الغيرة، والشك، والخوف، واختلاف العمر والتجربة.

لكن الرواية لا تترك العلاقة في صورتها الأولى.

شيئًا فشيئًا، تتحول مريم وليلى من امرأتين جمعهما رجل واحد إلى امرأتين جمعتهما تجربة واحدة. ثم تصبح العلاقة أعمق من ذلك بكثير. تصير مريم بالنسبة إلى ليلى شيئًا من الأم، وتصير ليلى بالنسبة إلى مريم فرصة متأخرة لأن تمنح الحب الذي حُرمت منه طويلًا.

وهنا تكمن واحدة من أجمل طبقات الرواية.

فمريم، التي قضت حياتها وهي تبحث عن اعتراف أبيها، تجد في النهاية معنى آخر للعائلة. لم تحصل على الحب بالطريقة التي انتظرتها في طفولتها، لكنها تكتشف نوعًا مختلفًا منه: حبًا لا يحتاج إلى نسب أو اسم أو اعتراف اجتماعي. حبًا يتشكل من الحماية، والمشاركة، والخوف على الآخر.

أما ليلى، التي كانت ترى المستقبل في صورتها الخاصة، فتتعلم أن الإنسان قد يجد نفسه في حياة لم يخترها، ومع ذلك يستطيع أن يعثر داخلها على معنى لم يكن يعرفه.

الحرب في الرواية لا تأتي في صورة خلفية بعيدة. إنها تتحرك مع الشخصيات. تتغير المدن، تتساقط الصواريخ، تتبدل السلطات، وتضيق الحياة شيئًا فشيئًا. وفي كل مرحلة تتغير الطريقة التي ترى بها الشخصيات العالم.

لهذا يصبح الزمن في "ألف شمس ساطعة" أكثر من إطار للأحداث. الزمن نفسه قوة روائية. كل مرحلة تسحب شيئًا من الشخصيات وتمنحها شيئًا آخر. الطفولة تنتهي، الأحلام تتبدل، البيوت تتغير، والناس الذين كانوا جزءًا من الحياة يختفون.

لكن وسط كل ذلك يبقى السؤال الأهم: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل حين تضيق الخيارات إلى هذا الحد؟

مريم تجيب عن السؤال بطريقتها.

في اللحظة التي تقتل فيها رشيد، لا تكون الرواية أمام امرأة انتقلت فجأة من الخوف إلى العنف. نحن أمام تاريخ طويل من القهر وصل إلى نقطة لم يعد بعدها الصمت ممكنًا. ولهذا تبدو اللحظة، رغم قسوتها، نتيجة لمسار كامل في الشخصية.

والأهم أن مريم تعرف ما ينتظرها.

كان بإمكانها أن تهرب مع ليلى. لكنها تختار أن تبقى.

هذا القرار هو قلب الرواية الأخلاقي والإنساني. مريم التي قضت حياتها تشعر بأنها بلا قيمة، تصل في النهاية إلى اللحظة التي تختار فيها مصيرها بنفسها. للمرة الأولى لا يكون القرار مفروضًا عليها من أب أو زوج أو مجتمع أو حرب.

إنها تختار أن تمنح ليلى وأطفالها فرصة للحياة، حتى لو كان ثمن ذلك حياتها هي.

المفارقة المؤلمة أن مريم، التي شعرت طويلًا بأنها امرأة زائدة في حياة الآخرين، تصبح في النهاية الشخص الذي يمنح الآخرين إمكانية الاستمرار.

وهذا التحول هو ما يجعل الشخصية أكثر عمقًا من صورة المرأة المقهورة التي قد تبدو للوهلة الأولى. مريم تتغير من الداخل. تبدأ الرواية وهي طفلة تنتظر اعتراف أبيها، وتنتهي وهي امرأة تعرف قيمة وجودها حتى لو لم يعترف به أحد.

أما ليلى، فإن خسارتها لمريم تصبح واحدة من أكثر لحظات الرواية وجعًا. لكنها لا تنتهي عند الفقد. تعود إلى كابول، وتبدأ حياة جديدة، وتزور بيت مريم، وتستعيد شيئًا من الماضي الذي ظنت أنها تركته وراءها.

وهنا تمنح الرواية ذاكرتها شكلًا آخر.

فالأشخاص الذين نحبهم لا يبقون معنا بالطريقة نفسها بعد رحيلهم. يتحولون إلى تفاصيل صغيرة: مكان، كلمة، رائحة، صورة، طريق، أو ذكرى تظهر فجأة في لحظة عادية. مريم تبقى في حياة ليلى من خلال ما تركته فيها، لا من خلال حضورها الجسدي.

ومن اللافت أن حسيني لا يبني الرواية على شخصية واحدة منذ البداية. انتقال السرد إلى ليلى يوسع الحكاية ويغير زاوية النظر. ما عرفناه من حياة مريم يصبح لاحقًا جزءًا من حياة ليلى، وما كان يبدو قدرًا فرديًا يتحول إلى علاقة إنسانية مشتركة.

حتى رشيد، رغم قسوته، لا يُرسم باعتباره شخصية مسطحة. له ماضيه، وخساراته، ونظرته الخاصة إلى الرجولة والمرأة والسلطة. وهذا لا يلغي أفعاله، لكنه يجعل الشخصية أكثر تركيبًا من مجرد صورة للشر. الرواية تتركنا أمام سؤال أصعب: كيف يتحول الإنسان إلى شخص يؤذي من حوله؟ وكيف يمكن للخوف والهزيمة والسلطة أن تتداخل داخل شخصية واحدة؟

ومن أجمل العناصر الفنية في الرواية عنوانها نفسه: "ألف شمس ساطعة".

العنوان مأخوذ من بيت للشاعر الفارسي صائب تبريزي يصف فيه جمال كابول، ويمنح المدينة صورة مغايرة تمامًا لما نراه في أجزاء كبيرة من الرواية.

لكن العنوان يكتسب معناه الحقيقي من داخل الحكاية.

الشمس هنا ليست صورة للسماء وحدها. يمكن أن نراها في الوجوه التي تقاوم، وفي لحظات الحب الصغيرة، وفي الطفل الذي يضحك، وفي امرأة تجد سببًا للاستمرار بعد أن فقدت كل الأسباب.

ولهذا يبدو العنوان أكثر اتساعًا من الحزن الذي ترويه الرواية. فحتى حين يشتد الخراب، تبقى هناك أشياء صغيرة قادرة على منح الحياة معناها.

وهذا ما يجعل النهاية مؤثرة.

الرواية لا تنتهي عند موت مريم. موتها ليس النقطة التي يتوقف عندها المعنى. على العكس، تبدأ آثارها بالظهور بعد رحيلها. في حياة ليلى، في أطفالها، في الذاكرة، وفي الأشياء التي تركتها وراءها.

ربما كانت مريم طوال حياتها تبحث عن مكان تنتمي إليه. وحين وجدته أخيرًا، لم يكن مكانًا جغرافيًا، بل علاقة إنسانية. امرأة أحبتها، وأطفالًا أرادت لهم الحياة، وقرارًا أخيرًا شعرت أنه قرارها.

وهنا تتجاوز الرواية حكاية الحرب والزواج والفقد إلى سؤال أكثر هدوءًا وأشد إيلامًا: كم يحتاج الإنسان من الألم حتى يعرف نفسه؟

مريم لم تكن أقوى شخصيات الرواية لأنها لم تخف. كانت تخاف كثيرًا. ولم تكن شجاعة لأنها لم تتردد؛ لقد ترددت طويلًا. قوتها جاءت من قدرتها على أن تفعل شيئًا في اللحظة التي صار فيها الحب مسؤولية، وصارت حياة الآخرين مرتبطة بقرارها.

ولعل أجمل ما في "ألف شمس ساطعة" أن الشخصيات لا تعيش بحثًا عن خلاص كبير. معظم ما تريده بسيط جدًا: بيت آمن، أم تحب ابنتها، أب لا يخجل من ابنته، امرأة تستطيع أن تختار، طفل يستطيع أن يكبر بلا خوف، وحب لا ينتهي لأن العالم قرر أن يكون قاسيًا.

لكن الأشياء البسيطة تصبح أحيانًا أكثر الأشياء صعوبة.

من هنا تأتي قوة الرواية. إنها لا تضع الإنسان في مواجهة الأحداث الكبرى فقط، بل تضع الأحداث الكبرى داخل الإنسان. تجعلنا نرى كيف يمكن لخبر سياسي أن يصل إلى غرفة صغيرة، وكيف يمكن لصاروخ أن يغير مستقبل أسرة، وكيف يمكن لقرار واحد أن يفصل بين حياة وموت، وكيف يمكن لعلاقة بين امرأتين أن تنشأ في المكان الأكثر قسوة.

وفي النهاية، لا تبقى في الذاكرة كل التفاصيل السياسية التي مرت بها الرواية، ولا كل أسماء الحكومات والفصائل والسنوات. الذي يبقى هو وجه مريم، ويد ليلى، وخوف طفل، وبيت فقد أهله، وامرأة اختارت أن تدفع ثمن حياة امرأة أخرى.

ربما لهذا تبدو الرواية، بعد إغلاق صفحاتها، وكأنها لم تنتهِ تمامًا.

فبعض الحكايات تنتهي حين نصل إلى آخر سطر، وبعضها يترك وراءه سؤالًا يواصل العيش فينا.

ما الذي يبقى من الإنسان بعد أن يأخذ منه الزمن والخوف كل شيء؟

في "ألف شمس ساطعة"، تأتي الإجابة من مكان صغير جدًا:
يبقى الحب الذي أعطيناه، والإنسان الذي أنقذناه، والأثر الذي تركناه في حياة شخص آخر.

ويبقى، أحيانًا، ضوء لا نراه إلا بعد أن يغيب صاحبه.