آراء

نموذج "زكريا زبيدي" المُهجن

41 مشاهدة
نموذج "زكريا زبيدي" المُهجن

 

الكاتب : د. محمود الفروخ

منذ مطلع عام 2000 ومع بداية انتفاضة الاقصى الثانية وأنا كناشط وصحفي ومواطن أعرف وأتابع وأراقب أخبار القيادي السابق في كتائب شهداء الاقصى  زكريا الزبيدي، هذا التنين الذي أرهق الاحتلال الاسرائيلي ودوخ مخابراته في أزقة مخيم جنين على مدى عشرات السنين ، كيف لا وقد تفتحت عيناي على زكريا "أبو باروده" M16  التي كانت تزين عنقه وصدره دائما ، حيث شكل لي ولآلاف الشباب الفلسطيني اّنذاك نموذجا وطنيا ملهما ، وتحديدا بعد أن نجح في الهروب من سجن جلبوع الاحتلالي ورفاقه المناضلين في العام 2021 .
 لا يستطيع أي كان أن يزاود على هذا التنين الاسود لاسيما وأنه قدم للوطن من القرابين ما لم ينازله فيها أحد ، وأقصد هنا في حركة فتح على وجه الخصوص ، فزكريا المطارد والاسير والجريح أبن الشهداء وأبو الشهيد وأخو الشهداء، الذي قدم ابنه وأمه واخوته وبيته وسنوات عديدة من عمره في الاسر والمطاردة على مذبح هذا الوطن الحبيب دون منة عليه ودون أي مقابل وأن كان الثمن هو عضوية اللجنة المركزية لحركة فتح .
 ولكن هناك من يريد لهذا الفتى الاسمراني الذي كان معلما من معالم مخيم جنين و الانموذج الصارخ في الايثار والوطنية الحياد عن كل ذلك ، أي أن يبدل بنطلون الجينز الازرق الكالح والبلوزه الساحلة فوقه والجاكيته السوداء والزرقاء التي يعتليهما الفرو والقميص المفتوح على مصراعيه تعبيرا عن عدم خوفه من رصاص الاحتلال الذي كان مترصدا به على الدوام في حينه ، وهناك يا زكريا من يدفعك لأن تخلعها جميعها وترتدي بدلة الخواجات التي لا تليق بك وان كانت بلا ربطة عنق ، فهي لا تشبهك ولا تشبه تاريخك ولا شخصيتك ولا روحك ولا ستايلك الذي تعودنا عليه ونحب ان نراك به في جميع الاوقات والاحوال ، وهناك يا زكريا من يريد لك أن تنسى أزقة حارة الدمج وحارة الحواشين وحارة الوهدان وحارة البشر والحارة الشرقية وكافة زوايا وبيوت وذكريات وتفاصيل مخيم جنين الصمود والشموخ الذي تعمدت تفاصيلك بتربته ، ويريدك أن تلهو في مقهى "الانشراح" ومقهى "ترويقه" ، ومطاعم ومكاتب رام الله الفاخرة والبائسة التي تنفث منها رائحة المؤامرات والخبائث والضغائن والخنوع والكولسات ، و هناك يا زكريا من يريد منك أن لا تركب الريح مجددا لتغدوا أملا في مواصلة هذا النضال وهذه المقاومة التي كانت عقيدتك ومبدأك للوصول الى التحرر الموعود وان طال ، بل يريدك أن تركب سيارة حديثة ذات لوحة حمراء "سيارة مسؤول" تجعلنا محبطين أكثر مما نحن عليه بعدما فقدنا البوصلة التي ترشدنا نحو هذا الوطن الذبيح الذي يستبيحه زعران المستوطنين المدججين بالخوف والسلاح من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه والذين كانوا بمجرد سماع سيرتك أو اسمك "يبولون" على أنفسهم ، بعدما كنت وأمثالك يا زكريا الأمل والنموذج الملهم والمستقبل المشرق الذي قاوم الكف بالمخرز وبملعقة صغيرة شق نفقا كبيرا للحرية في غياهب جلبوع المظلم .
 لكن الاخطر يا صديقي العزيز عليك أن هناك من حولك وأبناء جلدتك ولونك من يريد أن يتطهر بتضحياتك، وأن يتعمد بدماء قرابينك، ويتمسح بعرق نضالك، وأن يركب على ظهر تاريخك الوطني المشرف لتنظيف نفسه من الكثير الكثير من الخطايا العظيمة والكثيرة التي ارتكبها بحق الوطن والقضية والمواطن .
 فارجع يا زكريا و"خذ القرار بقوة "، وأرجع لنا زكريا الاصلي وليس زكريا "المهجن" بفعل المرحلة القبيحة والمشوهة ،  زكريا الذي ما زلنا نحبه ونحترمه ونقدر تضحياته ونضالاته ، فنحن يا "أبو محمد" نريدك أن لا تتوقف وتستريح حتى وأن تعبت ، لأننا معلقين بك وبهذا الطريق والنموذج الوطني المشرف بعدما ابتلانا الله بنماذج بعيده كل البعد عن الوطن والوطنية .