الكاتب : سامي مشعشع
شاءت الظروف أن أكون حاضرا في مفاصل صعبة من مسارنا الفلسطيني المثقل، وربما كنت شاهدا مثقلا بالعجز في كثير من الأحيان، عاجزا عن أن أكون نافعا أو قادرا على تخفيف بعض من أوجاع الذين كان لي شرف معايشتهم والجلوس بين أيديهم.
عايشتُ، مثلًا، وكنت هناك أثناء مجزرة الحرم الإبراهيمي، وأمضيت أيامًا على أبواب مخيم جنين خلال اجتياحه عام 2002. وكنت شاهدًا على الاجتياحات الدورية للمخيمات، وحاضرًا أثناء تدمير مخيم نهر البارد في لبنان، وتدمير مخيم اليرموك في سوريا، والحملات الدموية المتتالية على غزة، وغيرها من المفاصل الموجعة عبر زمن امتد لأكثر من اثنين وثلاثين عامًا عملت خلالها مع وكالة الغوث الدولية "الأونروا" .
وبعد كل مفصل، وكل زيارة، وكل فاجعة، كنت أعود إلى بيتي في جبل الزيتون، خارج أسوار البلدة القديمة للقدس، وأمنح نفسي مساحة أبكي فيها على ما رأته العين وما اختبرته الروح… مساحة أختلي بها خوفًا من أن يفضح ما يعتمل في صدري من خوف وضعف وتشاؤم وخواء وحزن عميق أمام ابنتي، فأنقل إليها قلقي وانكساري، وأهزّ صورة والدها الذي طالما حدّثها عن قوة اللاجئين الفلسطينيين وعزيمتهم وصبرهم. كنت أخشى أن تربط اهتزازي بذاكرتها عن المخيم، وعن اللاجئ، وعن عظمة هذا الشعب المنهك.
لماذا أكتب كل هذا؟
أحيانًا، يحدث أمرا ما … خبرٌ بعينه وسط زحمة الأخبار — وقد لا يكون الأقسى مما رأيت أو الأشد مما عشت — لكنه يصفعك فجأة. يشلّك. يكسرك دفعة واحدة. يفجّر كل ما يختزن في صدرك من غضب، وعجز، وقنوط، وحزن عارم، ويزرع فيك شكا قاسيا بقناعاتك، ورغبة في الهروب، في التيه بلا وجهة ولا هدف. حدث هذا معي، كما مع غيري، مرات كثيرة عبر السنين، وخصوصا منذ السابع من أكتوبر 2023 .
صورة اليوم — وهي تُظهر شبانًا ورجالا فلسطينيين مكدسين داخل حاوية قمامة، يحاولون التسلل إلى داخل فلسطين التاريخية ليضعوا خبزًا على موائد أبنائهم — صورة تصفعك. تخلّ بتوازنك. وتكسر شيئًا عميقا في داخلك.
كرامتهم، هم، ناصعة؛ ويزيدها رفعة وسموا سعيهم الشريف إلى لقمة العيش.
أما كرامتنا نحن، فهي المستباحة، المهانة. نحن الذين تعب أهلنا في تعليمنا وتثقيفنا — أو ما سمّيناه “تثقيفًا” — لنخرج إلى العالم مدافعين عن هؤلاء الرجال، ناقلين لنضالهم، ومراكِمين لإنجازات سياسية ونضالية وفكرية تليق بتضحيات شعبنا. لكننا، نحن — سياسيون، وفصائل، ومفكرون، وصحفيون، ولجان ومجتمع مدنى ومؤسسات وأطر وما شاكل — خذلناهم.
لم نحقق إنجازًا يليق بألمهم أو بصبرهم. دخلنا في اتفاقيات معطوبة، ووقّعنا معاهدات مشوّهة، وصنعنا واقعًا مختلًا، مفصومًا، وتصالحنا مع مفارقاته وأمسى عاديا جدا ان يتجاور فيه احتلال ودولة!، والمخيم مع الكوفى شوب، وتختبئ فيه كرامة الرجال داخل حاوية قمامة، تمرّ بمحاذاتها سيارات فارهة، متباهيةً بغباء، على طرق مهترئة، بين حاجز عسكري وبوابة صفراء.
لا أبكي عليهم… لأنهم أكرم مني وأعز.
أبكي على واقعٍ تُقرع فيه الكؤوس بدل أن تُقرع جدران الخزان . أبكي على الأوهام، وعلى الانتصارات الدونكيشوتية التي نسجناها لأنفسنا.
أبكي اليوم لأنني خذلت/ لأنكم خذلتم هؤلاء الرجال، ولأن نظراتهم — وهم يُنزلون من الشاحنة إلى الاعتقال — عرّتني، وعرتكم، وكشفت هشاشتنا جميعًا.



