القدس-واثق نيوز-قال الامين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس اللواء بلال النتشة، إن الذكرى الخامسة والعشرين لرحيل فيصل الحسيني تشكل محطة وطنية مهمة لاستحضار سيرة أحد أبرز القادة الفلسطينيين الذين ارتبطت أسماؤهم بمدينة القدس والدفاع عن هويتها العربية والإسلامية في مواجهة الاحتلال ومشاريعه الاستيطانية.
وأضاف النتشة في تصريح صحفي له بهذه المناسبة : "نستذكر اليوم رجلاً حمل القدس في قلبه وعقله ومشروعه الوطني، وجعل من الدفاع عنها قضية يومية لا تقتصر على الخطابات السياسية، بل تمتد إلى بناء المؤسسات الوطنية وتعزيز صمود أهلها ومواجهة سياسات التهويد والاستيطان بكل الإمكانات المتاحة".
وأكد أن الراحل فيصل الحسيني نجح في تحويل القدس إلى عنوان دائم في الوعي الوطني الفلسطيني والعربي والدولي، مشيراً إلى أن حضوره السياسي والشعبي ترك أثراً عميقاً في المدينة التي ما زالت تعاني حتى اليوم من سياسات الاحتلال الرامية إلى تغيير هويتها الديمغرافية والجغرافية وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وقال النتشة: "كان فيصل الحسيني مدرسة وطنية متكاملة، جمع بين النضال السياسي والعمل الميداني والقدرة على مخاطبة العالم بلغة الحقوق الوطنية الفلسطينية، ولم يتخلَّ يوماً عن القدس رغم الاعتقالات والإقامات الجبرية والملاحقات التي تعرض لها على مدار سنوات طويلة".
وأشار إلى أن ما تشهده القدس اليوم من تصعيد استيطاني واستهداف للمؤسسات الوطنية وتهجير للأهالي يؤكد صحة التحذيرات التي أطلقها الحسيني مبكراً من خطورة ترك المدينة فريسة للمشاريع الإسرائيلية، مضيفاً أن الاحتلال يعمل بشكل متسارع على استكمال مخططاته الرامية إلى فرض السيادة الكاملة على القدس وعزلها عن محيطها الفلسطيني.
وشدد النتشة على أن الوفاء لذكرى فيصل الحسيني لا يكون فقط بإحياء سيرته الوطنية، بل بالتمسك بالثوابت التي ناضل من أجلها، وفي مقدمتها حماية القدس ودعم صمود أهلها وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية وإعادة بناء المؤسسات القادرة على مواجهة التحديات التي تتعرض لها المدينة المقدسة.
وقال : "بعد خمسة وعشرين عاماً على رحيل أمير القدس، ما زال اسمه حاضراً في وجدان شعبنا وفي ذاكرة المدينة التي أحبها ودافع عنها حتى آخر لحظة من حياته. وستبقى القدس التي نذر نفسه لها شاهدة على إرثه الوطني الكبير، وعلى دوره التاريخي في تثبيت الهوية الفلسطينية للمدينة وحماية مكانتها في المشروع الوطني الفلسطيني".
الى ذلك اصدرت الدائرة الاعلامية في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس ، بيانا حول سيرة " امير القدس " جاء فيه :
ولد فيصل الحسيني في بغداد عام 1940 لعائلة فلسطينية ارتبط اسمها بالنضال الوطني والدفاع عن القدس. فهو نجل الشهيد عبد القادر الحسيني الذي استشهد في معركة القسطل عام 1948، وحفيد الزعيم الوطني موسى كاظم الحسيني. وقد تنقل في سنوات طفولته وشبابه بين العراق والقاهرة وعدد من العواصم العربية قبل أن يعود إلى فلسطين حاملاً إرث عائلته النضالي وإيماناً راسخاً بأن القدس ستكون محور مشروعه الوطني والسياسي.
انخرط الحسيني مبكراً في العمل الوطني الفلسطيني، وشارك في النشاط السياسي والتنظيمي منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، كما تلقى تدريباً عسكرياً في الكلية العسكرية بحلب، وعمل في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية خلال سنوات ما قبل الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية والضفة الغربية عام 1967. وبعد الاحتلال تعرض للاعتقال مرات عديدة، وقضى سنوات في السجون الإسرائيلية، كما فرضت عليه سلطات الاحتلال الإقامة الجبرية لفترات طويلة في محاولة لعزله عن الشارع المقدسي وكبح تأثيره الشعبي المتنامي.
ومع تصاعد المواجهة الوطنية في القدس خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أدرك الحسيني أن معركة المدينة ليست سياسية فقط، بل هي معركة وجود وهوية ومؤسسات. ولذلك أسس عام 1979 جمعية الدراسات العربية التي تحولت إلى إحدى أهم المؤسسات الوطنية الفلسطينية في القدس، وأسهمت في توثيق واقع المدينة وإنتاج الدراسات والأبحاث المتعلقة بتاريخها وسكانها وأوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد اعتبر الاحتلال الإسرائيلي هذه المؤسسة خطراً استراتيجياً على مشروعه التهويدي، فأغلقها مراراً وصادر محتوياتها خلال سنوات الانتفاضة الأولى.
وبرز دور فيصل الحسيني بصورة أكبر خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، حيث كان أحد أبرز قياداتها في القدس، وجسّد نموذج القائد الميداني الذي يتواجد بين الناس وفي الشوارع والأحياء المستهدفة بالمصادرة والهدم والاستيطان. ولم يكن حضوره مقتصراً على الخطاب السياسي، بل ارتبط بالدفاع اليومي عن المقدسيين ومساندة العائلات المهددة بالتهجير ومواجهة مخططات الاحتلال في المدينة.
وفي مطلع التسعينيات، تولى الحسيني مسؤوليات سياسية بارزة على المستوى الوطني، فترأس الوفد الفلسطيني المفاوض في المحادثات المنبثقة عن مؤتمر مدريد، وكان أحد أبرز الوجوه الفلسطينية التي خاطبت العالم بلغته السياسية والإعلامية، مدافعاً عن الحقوق الوطنية الفلسطينية وعن مكانة القدس باعتبارها عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة. ومع توقيع اتفاق أوسلو، أدرك أن ملف القدس أُجّل إلى مفاوضات الحل النهائي، وأن الاحتلال سيحاول استغلال هذا الفراغ السياسي لفرض وقائع جديدة على الأرض، لذلك كرّس جهده بالكامل لحماية المدينة وتعزيز صمود أهلها.
ومن أبرز إنجازاته الوطنية تأسيس بيت الشرق عام 1992، والذي تحول إلى العنوان السياسي الفلسطيني الأبرز في القدس المحتلة، وإلى مقر شبه رسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في المدينة. ومن خلاله استقبل الوفود الدولية والدبلوماسية، وسعى إلى تثبيت الحضور الفلسطيني السياسي في القدس رغم القيود الإسرائيلية المتصاعدة. وقد شكل بيت الشرق بالنسبة للمقدسيين رمزاً للسيادة الوطنية الفلسطينية، قبل أن تقدم سلطات الاحتلال لاحقاً على إغلاقه في إطار استهدافها للمؤسسات الوطنية الفلسطينية داخل المدينة.
وعُرف الحسيني بمواقفه الصلبة في مواجهة الاستيطان، خصوصاً المشاريع التي استهدفت تغيير الطابع الديمغرافي والجغرافي للقدس. وكان من أوائل المحذرين من خطورة مشروع مستوطنة جبل أبو غنيم "هار حوما"، معتبراً أن الاستيطان يهدف إلى عزل القدس عن محيطها الفلسطيني وتقويض فرص أي تسوية سياسية مستقبلية. وقد شارك بنفسه في الاعتصامات والفعاليات الشعبية الرافضة للمشروع، مؤكداً أن المدينة لا يمكن أن تكون موضوعاً للمساومة أو التنازل.
وفي الحادي والثلاثين من أيار/مايو عام 2001، رحل فيصل الحسيني بشكل مفاجئ إثر أزمة قلبية أثناء وجوده في دولة الكويت، حيث كان يبذل جهوداً سياسية ووطنية لخدمة القضية الفلسطينية. وشكل نبأ رحيله صدمة كبيرة للفلسطينيين عموماً ولأهل القدس خصوصاً، الذين فقدوا أحد أبرز رموزهم الوطنية في لحظة كانت المدينة تواجه فيها تصعيداً غير مسبوق من سياسات الاحتلال. وشيع عشرات الآلاف جثمانه في جنازة وطنية مهيبة انتهت بدفنه في باحات المسجد الأقصى المبارك إلى جانب والده وجده، في مشهد جسّد عمق العلاقة التي ربطته بالقدس حتى بعد رحيله.
واليوم، وبعد خمسة وعشرين عاماً على رحيل أمير القدس، تبدو كثير من التحذيرات التي أطلقها واقعاً ملموساً تعيشه المدينة. فالاستيطان يتوسع، والتهجير يتواصل، والمؤسسات الفلسطينية تتعرض للاستهداف، فيما تتصاعد محاولات فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية. غير أن إرث فيصل الحسيني لا يزال حاضراً بوصفه نموذجاً للقيادة الوطنية المرتبطة بالناس وبالأرض، والقادرة على الجمع بين العمل السياسي والنضال الشعبي والدفاع عن الهوية الوطنية.
ويؤكد المؤتمر الوطني الشعبي للقدس في هذه الذكرى أن استحضار سيرة فيصل الحسيني ليس مجرد استذكار لشخصية وطنية بارزة، بل هو استعادة لنهج كامل في الدفاع عن القدس، يقوم على التمسك بالحقوق الوطنية، وتعزيز صمود المقدسيين، وبناء المؤسسات الوطنية، ومواجهة مشاريع التهويد والاستيطان بكل الوسائل المشروعة.
لقد رحل فيصل الحسيني جسداً، لكن القدس التي عاش لها وبها ومن أجلها ما زالت تحفظ اسمه في أزقتها وأسوارها ومؤسساتها وذاكرة أبنائها، ليبقى "أمير القدس" عنواناً لمرحلة من النضال الفلسطيني ستظل حاضرة في الوعي الوطني للأجيال القادمة.



