الكاتب : يونس العموري
إلى فخامة رئيس جمهورية لبنان،،،
من قلب القدس، المدينة التي تعلّمت أن الوعود التي تُكتب في ظلّ الاحتلال سرعان ما تُمحى بدم أبنائها، نكتب إليكم لا لِنُملي، بل لنُحذّر، ولا لِنُجامل، بل لنكشف ما عايشناه حتى حدود الألم.
لقد خُدعنا سابقًا بشعارات “السلام”، فكانت المحصلة مزيدًا من الأرض التي سُلبت، ومزيدًا من الجدران التي تُحاصر تفاصيل حياتنا، ومزيدًا من الانقسام الذي تسلل إلى صفوفنا حتى كاد يُضعفنا من الداخل قبل أن يفعل العدو من الخارج. فالمفاوضات المباشرة، يا فخامة الرئيس، لم تكن يومًا طريقًا حقيقيًا للتحرير، بل كانت .. في تجربتنا الفلسطينية .. غطاءً ناعمًا لفرض واقعٍ قاسٍ بالقوة.
إسرائيل لا تدخل التفاوض لإعادة الحقوق، بل لكسب الوقت. لا تمدّ يدها بحثًا عن سلام، بل لتثبيت احتلالٍ بأدواتٍ أقل كلفة. كل جولة حوار مررنا بها كانت تعني خسارة جديدة تُقدَّم بصيغةٍ أنيقة، بينما الجرافات تواصل عملها على الأرض بلا توقف.
احذروا أن تتحول طاولة المفاوضات إلى ميدانٍ آخر تُستنزف فيه سيادة لبنان. واحذروا أن يُزرع الشقاق بين أبناء وطنكم تحت عناوين جذابة، فهذه من أخطر أدوات هذا العدو ... أن يُشغلكم بأنفسكم، وأن يُحوّل الخلاف السياسي إلى فتنة، والفتنة إلى ضعف، والضعف إلى منفذٍ يُمرّر من خلاله ما يشاء .
لقد عشنا في القدس وفلسطين وعودًا كثيرة ... دولة قريبة، حرية على الأبواب، وحقوق ستُستعاد . لكن ما تحقق كان نقيض ذلك.. مزيد من الحواجز، ومزيد من الاعتقالات، ومزيد من الإذلال اليومي. حتى أصبحت المفاوضات نفسها عبئًا على الحقيقة، تُستخدم لتجميل وجه واقعٍ لا يُطاق .
يا فخامة الرئيس، إن السلام الذي لا يُعيد الأرض ليس سلامًا، بل استسلامٌ مُغلّف. وإن الحوار الذي لا يقوم على ميزان عدلٍ حقيقي، ليس سوى إدارةٍ للأزمة تصبّ في مصلحة الأقوى. فلا تجعلوا من تجربتنا طريقًا يُعاد السير فيه، وقد اتضحت نهايته.
لبنان، بتاريخِه وتضحياته، لا يستحق أن يُستدرج إلى مسارٍ يُضعف وحدته ويُقوّض حقه. حافظوا على تماسك شعبكم، فهو الحصن الأول، وتذكّروا أن العدو الذي عجز عن كسر الإرادة بالقوة، يحاول اليوم كسرها عبر السياسة الناعمة.
من القدس، التي ما زالت تقاوم رغم كل الظروف، نكتب إليكم بصدق التجربة وقسوة الحقيقة: لا تفاوضوا على ما لا يُستعاد إلا بالصمود، ولا تُراهنوا على وعودٍ اختبرناها فكانت سرابًا.
فخامة الرئيس ،،،
نستكمل رسالتنا من القدس، لكن هذه المرة بمرارةٍ أعمق، وبكلماتٍ لم تعد تحتمل التخفيف أو التجميل.
لقد أدركنا، بعد عقودٍ من الخداع، أن المفاوضات مع هذا العدو ليست مجرد فخٍ عابر، بل منظومة متكاملة تهدف إلى تفريغ الشعوب من عناصر قوتها، وتحويل قضاياها من حقوقٍ ثابتة إلى بنودٍ قابلة للتفاوض، ثم إلى فتاتٍ يُلقى على موائد السياسة.
لا تنخدعوا… فإسرائيل لا تسعى إلى سلام، بل إلى لبنان مُرهق، مُنقسم، يختلف أبناؤه حول كل شيء إلا ضعفهم. تريد أن تجعل سيادتكم محل نقاش، وأرضكم ملفًا تفاوضيًا، وكرامتكم تفصيلًا يمكن تجاوزه.
في فلسطين، لم تكن الخسارة في الأرض وحدها، بل في الوعي أيضًا. حيث جرى ترويض بعضنا على فكرة أن الاحتلال واقع لا مفر منه، وأن الحقوق يمكن ( إدارتها) بدل استعادتها. زُرعت فينا أوهام الواقعية حتى صار التنازل يُقدَّم كحكمة، والصمود يُصوَّر كتهوّر.
احذروا هذا المسار… فهو لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل تدريجيًا، خطوةً بعد خطوة، حتى تجدوا أنفسكم تحرسون ما تبقى، بدل السعي لاستعادة ما فُقد.
يا فخامة الرئيس،،،
إن أخطر ما في هذه المفاوضات ليس ما يُعلن، بل ما يُخفى. فبين السطور تُزرع بذور الفتنة. يُدفع بلبنان ليختلف حول خياراته، ليُشكك بعضه ببعض، فتتحول طاولة الحوار إلى خنجرٍ داخلي. وهنا يحقق العدو انتصاره دون أن يُطلق رصاصة.
لقد شهدنا ذلك بأعيننا: كيف تحولت الفصائل إلى خصوم، وكيف وُجّهت البنادق التي كانت نحو الاحتلال إلى الداخل، وكيف ضاعت البوصلة حتى أصبح العدو أقل حضورًا في الخطاب من خلافاتنا. وهذا لم يكن صدفة… بل نتيجة لمسارٍ يبدأ بالمفاوضات وينتهي بالتفكك.
لا تُكرروا خطأنا القاتل.. حين ظننا أن العالم سيمنحنا حقوقنا إن أبدينا مرونة، فاكتشفنا أن تلك المرونة كانت الطريق الأسرع لتآكل كل شيء.
إسرائيل لا تفهم إلا لغة موازين القوة....أما طاولات التفاوض، فهي بالنسبة لها استراحة تُعيد خلالها ترتيب أدوات السيطرة، لا أكثر.
يا فخامة الرئيس،،،
إن السلام الذي يُعرض عليكم اليوم قد يكون أخطر من الحرب نفسها. فالحرب تُبقي الوعي متيقظًا، أما هذا ( السلام ) فيُخدّر الشعوب حتى تفقد إحساسها بما سُلب منها.
لا تجعلوا لبنان يسير في طريقٍ اختبرناه حتى نهايته القاسية. لا تسمحوا أن يُكتب في تاريخكم أنكم فتحتم بابًا لم يُغلق في فلسطين حتى اليوم.
نقولها بوضوح .. كل تفاوضٍ بلا قوةٍ تحميه هو تنازلٌ مؤجل، وكل اتفاقٍ لا يُعيد الأرض كاملة هو اعترافٌ ناقص يُبنى عليه مزيد من الخسارة.
من القدس، التي أرهقتها الكلمات ولم يُرهقها الصمود، نضع بين أيديكم خلاصة الدم والمعاناة ... لا تثقوا بعدوٍ لم يلتزم يومًا، ولا تراهنوا على وسيطٍ لم يُنصفنا يومًا، ولا تُقايضوا وحدة شعبكم بأي وعدٍ عابر... فالطريق الذي يبدأ بتنازلٍ صغير، ينتهي بوطنٍ أصغر… أو ربما لا ينتهي بوطنٍ على الإطلاق .



