الكاتب : عبد العظيم عبد الحق حسن
مع اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، لا بد من مصارحة تنظيمية هادئة ومسؤولة.
لقد كنا نأمل، وما زلنا، أن نكون ذاهبين إلى مؤتمر برنامج ورؤية وتجديد سياسي وتنظيمي، مؤتمر يجيب على أسئلة الحركة الكبرى، ويعيد تعريف أولوياتها الوطنية والتنظيمية، ويمنح أبناءها أملاً جديداً بأن فتح ما زالت قادرة على تجديد ذاتها من داخلها.
لكن واقع الحال، كما يبدو من طبيعة النقاشات والتحضيرات الجارية، يوحي بأننا لسنا ذاهبين بالكامل إلى هذا النموذج الذي نحلم به، بل إلى مؤتمر تتقدم فيه حسابات الأشخاص والتمثيلات والكوتات على حساب النقاش البرامجي العميق. وهذا ليس ما نريده، لكنه الواقع الذي يجب أن نتعامل معه بعقلانية ومسؤولية.
أنا لست من الذينن يفضلون البقاء أسرى الأحلام أو اجترار صورة مثالية بعيدة المنال. فالتفكير بما يجب أن يكون هو مطلبنا جميعاً، وهو السقف الذي لا نتنازل عنه، لكن السياسة والتنظيم لا يقومان فقط على المثال، بل على فن الممكن.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس الانسحاب إلى دائرة التذمر، ولا الاكتفاء بالنقد من خارج المشهد، بل بالذهاب إلى سؤال أكثر واقعية وجدوى: كيف نحقق داخل هذا المؤتمر ما يمكن تحقيقه؟
إن كافة العقوول الحرة، والضمائر الحية، وأبناء فتح الذين يحملون في ذاكرتهم تاريخ الحركة ونضالاتها وتضحياتها، مدعوون اليوم إلى أن يتعاملوا مع هذا المؤتمر باعتباره فرصة لانتزاع الممكن الإصلاحي، حتى لو تعذر الوصول إلى كل ما نطمح إليه.
وإذا كان الوصول إلى مؤتمر نموذجي كامل الشروط صعباً في هذه المرحلة، فإن الحد الأدنى المطلوب هو أن تنعكس مخرجات المؤتمر في خطوات تغيير ملموسة، وعلى رأسها تجديد الدماء في أعلى هرم الحركة، سواء على مستوى اللجنة المركزية أو المجلس الثوري، بما يفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة، والخبرات الميدانية، والطاقات الشابة التي أثبتت حضورها في ساحات الفعل الوطني والتنظيمي.
هذا التغيير لا يتحقق بالرغبات وحدها، بل يحتاج إلى وعي انتخابي وتنظيمي وثقافي لدى المناضلين الأحرار؛ وعيٍ يحفظ الماضي، ويفهم دروسه، ويعرف ما للحركة وما عليها، ويستطيع أن يميز بين من يمثل امتداداً للجمود، ومن يمكن أن يشكل رافعة نحو المستقبل.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على تحقيق الصورة المثاليية دفعة واحدة، بل على منع إعادة إنتاج الواقع نفسه بالكامل، وفتح نافذة ولو صغيرة باتجاه ما نصبو إليه.
فما دمنا عاجزين، في هذه اللحظة، عن تحقيق كل ما يجب أن يكون، فإن الواجب الوطني والتنظيمي يفرض علينا أن نحقق أقصى ما يمكن أن يكون.
فالتاريخ لا يصنعه الذين ينتظرون اللحظة الكاملة، بل الذين يعرفون كيف يلتقطون الممكن، ويحولونه مع الزمن إلى واقع أكبر.
* اسير محرر في الصفقة الاخيرة



