الكاتب : محمد زهدي شاهين
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، يبرز مشهد جديد يعيد رسم ملامح التوازنات الدولية، مشهدٌ تتقدم فيه الجمهورية الإسلامية في إيران بثبات، رغم كل الضغوط والحروب المركبة التي استهدفتها من تحالفات معلنة وأخرى خفية. وكأننا أمام "موسم حج سياسي" تتجه فيه أنظار الدول، بل وخطواتها، نحو طهران، لا بوصفها مجرد عاصمة إقليمية، بل كرقم صعب في معادلة القوة العالمية.
لقد راهن كثيرون على أن تؤدي المواجهة الأخيرة إلى إضعاف إيران أو حتى تغيير نظامها السياسي، لكن ما حدث كان على النقيض تماماً. فقد صمدت الدولة، وامتصّت الضربات، وأعادت ترتيب أوراقها، مثبتةً أن من يمتلك الإرادة السياسية، والعمق الاستراتيجي، والتحالفات المتينة، قادر على تحويل التحديات إلى فرص. لم يكن هذا الصمود وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكم طويل من بناء القدرات، وتعزيز الاستقلالية، والانفتاح المدروس على الحلفاء.
وما يعزز هذا المشهد، أن بوادر التحول لم تعد مجرد تحليلات أو توقعات، بل بدأت تأخذ شكلاً عملياً على أرض الواقع. فقد أعلنت دولة أوروبية، خلال فترات التوتر، نيتها التوجه إلى طهران، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً بأن تجاوز إيران لم يعد خياراً ممكناً في أي معادلة سياسية أو اقتصادية قادمة. إن إعلان دولة كإيطاليا عن نيتها التوجه نحو طهران، ولو تحت عناوين دبلوماسية أو اقتصادية، يعكس بداية تشكل واقعا جديدا عنوانه: الحوار مع الأقوياء لا يمكن تأجيله.
إن ما جرى لا يمكن قراءته فقط في إطار الصراع المباشر، بل يجب فهمه ضمن سياق أوسع يتصل بإعادة توزيع مراكز القوة في العالم. فإيران لم تكن وحدها في هذا المشهد؛ إذ إن شبكة تحالفاتها الإقليمية، إلى جانب دعم قوى دولية كبرى، أسهمت في تثبيت معادلة ردع جديدة. وهذا ما أظهر بوضوح أن النظام الدولي لم يعد أحادي القطبية كما كان يُراد له، بل يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية تتقاسم فيها القوى الكبرى النفوذ والتأثير.
أما على المستوى الفلسطيني، فإن العلاقة مع إيران تحمل بعداً تاريخياً وسياسياً خاصاً. فقد كان الفلسطينيون من أوائل من طرقوا أبواب طهران بعد انتصار الثورة الإسلامية، في لحظة بحث عن سند وداعم في معركة مفتوحة مع الاحتلال. واليوم، ومع هذا التحول في موازين القوة، يجد الفلسطيني نفسه أمام واقع جديد قد يعيد ترتيب أولوياته وتحالفاته، في ظل عالم لا يعترف إلا بمن يمتلك أوراق القوة والتأثير.
إن الحديث عن "الحجيج إلى طهران" ليس مجرد توصيف بلاغي، بل تعبير عن حقيقة سياسية آخذة في التشكل. فالدول، حين تعيد حساباتها، تتجه نحو مراكز الثقل الجديدة، وتسعى إلى بناء علاقات مع من يثبت قدرته على الصمود والتأثير. وإذا ما نجحت إيران في تثبيت موقعها في المفاوضات الجارية، فإنها لن تكون مجرد قوة إقليمية، بل مرشحة لتكون لاعباً رئيساً على الساحة الدولية، بما يعيد رسم خريطة العالم وفق معايير جديدة.
في النهاية، قد نكون بالفعل أمام لحظة تاريخية فاصلة، لحظة يتغير فيها اتجاه البوصلة السياسية، ويعاد فيها تعريف مفاهيم القوة والنفوذ. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الحضور للأقوى فقط، بل للأكثر صبراً وقدرة على الصمود… وهو ما حاولت طهران أن تثبته، ونجحت – حتى الآن – في ترسيخه كواقع لا يمكن تجاهله.
فهل سنشهد قريبا موسماً للزيارات السياسية والاقتصادية إلى طهران، أم أننا أمام لحظة فارقة تعيدنا إلى مشهد الحرب، ومن المرجح بأن تكون بطريقة اعنف بعد فشل وانهيار المفاوضات!



