الكاتب : عيسى قراقع
أن تجارب الشعوب تشير أن الاستعمار لا يقتصر على السيطرة على الأرض بل إلى محاولات السيطرة على الصوت والصورة واسكات الضحايا والذاكرة، ومن هنا جاءت اهمية مؤتمر توثيق التاريخ الشفوي الذي نظمته وزارة الثقافة يوم 6.4.2026، وضرورة وأهمية توثيق مئات الشهادات والأصوات للأسرى والاسيرات المفرج عنهم من سجون ومعسكرات الاحتلال والناجين من حبال المشانق، خاصة بعد حرب الإبادة الدموية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023.
عندما يُفرج عن أسير فلسطيني من سجون الاحتلال، لا يحمل معه فقط جسداً أنهكه التعذيب والمرض، بل يحمل أيضاً شهادة حية على ما يجري خلف الجدران الصامتة، هذه الشهادات ليست مجرد روايات عابرة، بل تمثل وثائق تاريخية وقانونية ذات قيمة قصوى في مسار المحاسبة ومقارعة الاحتلال، ومع تزايد أعداد الأسرى المفرج عنهم في صفقات التبادل الأخيرة، تبرز الحاجة الملحة إلى أرشفة هذه "الأصوات" بشكل منهجي، لضمان عدم ضياعها مع الوقت أو تلاشي تفاصيلها تحت وطأة الصدمة والمرض والنسيان.
تشكل شهادات الأسرى المحررين النافذة الوحيدة التي تطل منها العيون على ما يجري داخل معتقلات الاحتلال، حيث تمتنع إسرائيل عن السماح لأي جهات رقابية دولية، بما فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بزيارة آلاف المعتقلين في معسكرات مثل "سديه تيمان". وراكيفت، والزنازين المدفونة تحت الارض، والذين يتعرضون لسياسة الاخفاء القسري وفي ظروف مريعة.
الجميع وفي كل أرجاء الكون سمع اصوات المشانق في قصص وحكايات الاسرى المحررين، وان قانون الإعدام الذي شرع في الكنيست الاسرائيلي في نهاية آذار من العام 2026، ينفذ منذ سنوات تعذيبا وقتلا وتجويعا واغتصابا وعزلا وتدميرا ممنهجا لإنسانية الانسان.
اصوات المشانق تقول أن قانون الإعدام هو فضاء للإبادة الشاملة داخل السجون وخارجها، وأنه ليس مجرد قانون، وانما هو سياسة رسمية هدفها محو وافناء الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، وتجريم نضاله الوطني من أجل الحرية والاستقلال، شرعنة الجريمة والافلات من العقاب.
إن اصوات الاسرى هي محكمة مؤجلة ووثيقة اتهام وإدانة لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ترتكب على مدار الساعة بتوحش وانتقام وسادية لم يسبق لها مثيل حتى في عصور الظلام، يرافقها اصوات الجلادين في فيديوهات تبث على الهواء، وتصريحات ابادية ورقصات وحفلات شيطانية جعلت من أجساد الاسرى المعذبين وسيلة للمتعة والانتشاء.
لقد وثقت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والدولية إفادات من معتقلين مفرج عنهم تكشف عن ممارسة ممنهجة ومنظمة للتعذيب الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، والتعرية، والتصوير القسري، والاعتداء بالأدوات والكلاب، التجويع والإذلال والضرب والاعدامات وانتشار الأمراض المزمنة، أنها جهنم كما يقول الاسرى، والان ومن خلال هذه الأصوات المعذبة القادمة من الجحيم، علينا أن نرفع الصمت لمنع إسكات التاريخ والحقيقة.
بدون أرشفة هذه الشهادات، ستبقى هذه الجرائم مجرد "إشاعات" أو "ادعاءات" يمكن للاحتلال إنكارها بسهولة، لكن الأرشفة المنهجية تحول هذه الأصوات الفردية إلى أدلة ملموسة ترسم صورة كاملة عن منظومة التعذيب والعنف الابادي الذي يجري خلف القضبان، وان حجم الكوارث الإنسانية الذي كشفته إفادات الشهود يوضح أن هذه الممارسات لم تكن عشوائية، وانما ترجمة لسياسة هيكلية استعمارية تستهدف وجود الشعب الفلسطيني وتجريده من حقوقه القومية.
تؤكد خبيرة حقوق الإنسان والمحامية دانا شومان أن توثيق شهادات الأسرى المحررين هو "إجراء أساسي وضروري لضمان عدم إفلات الاحتلال من العقاب"، وتوصي الأسرى بالتوجه فور الإفراج عنهم إلى جهات مختصة لتوثيق الإصابات والندوب والمشاهدات، والاحتفاظ بالتقارير الطبية، وتسجيل الإفادات أمام محامين أو هيئات حقوقية.
تكمن أهمية جمع وارشفة الشهادات أنه عند اللجوء إلى المحاكم الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، لا يكفي سرد الحكايات. بل تحتاج الدعاوى إلى أدلة موثقة ومنظمة يمكن تقديمها كبينات قانونية، وقد أظهرت تجارب المحاكمات في قضايا حقوق الإنسان حول العالم أن الشهادات الموثقة بدقة تشكل في كثير من الأحيان المصدر الرئيس للأدلة، خاصة عندما تكون السجلات الرسمية قد دمرت أو أخفيت أو شوهت.
أرشفة اصوات الضحايا تعيد بناء التجربة الحية ضد محاولات الاخفاء والانكار، فما لا يرى لا يدان، فالأرشفة فعل مقاومة معرفية وأخلاقية ومسؤولية وطنية، وسجل مركزي لكشف تفاصيل الإبادة الجسدية والنفسية للأسرى والاسيرات، وصوت بديل للعدالة الغائبة، فالأرشيفات التي تبنى اليوم ستكون أساس المساءلة غدا، وستكون الشاهد الحي للأجيال القادمة.
أرشفة اصوات المشانق وأدوات القتل التدريجي، ليست مجرد عمل تقني، أنه سجل الخسارة والصمود، والدليل على حدوث الفظائع والأساس لملاحقة المجرمين مستقبلا، والحفاظ على الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني، ومقاومة تحويل الفلسطيني إلى مجرد رقم في سجلات الاحتلال، فالأرشفة تحول الجرائم الفردية إلى قضية منظمة يمكن تقديمها كدليل على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني ولكل شرائع حقوق الإنسان.
مع مرور الوقت، قد تتلاشى اثار التعذيب الجسدي وتتداخل التفاصيل في الذاكرة تحت وطأة الصدمة النفسية، كما أن معظم الاسرى المحررين يعانون من أمراض مزمنة أو إعاقات نتيجة ما تعرضوا له، وقد لا يبقون على قيد الحياة لسنوات طويلة، لذلك يجب توحيد عمل مؤسسي للأرشفة بمنهجية علمية ورقمنة وحفظ هذه الشهادات والأصوات على وجه السرعة وقبل تلاشي آثار التعذيب والتعافي من الأمراض الجسدية والنفسية والعقلية.
لطالما كان التاريخ الشفوي الفلسطيني أداة مركزية في مقاومة محاولات الاحتلال طمس الرواية الفلسطينية. وقد أدرك الباحثون أهمية توثيق شهادات الناجين من النكبة، وعددهم يتضاءل كل يوم، ولهذا علينا البدء فورا بجمع وتوثيق اصوات الضحايا، لان ضياعها هو خسارة في معركة وجودية لا تعوض.
الأرشفة لأصوات المشنوقين في أقبية السجون هي إعادتهم للحياة، استعادة الصوت والكرامة، فالأسير المفرج عنه لا يخرج فقط بجسد مثقل، بل بقصة محملة بالمعنى، فتوثيق شهادته يمنحه حق السرد ويعيد له دوره كفاعل وشاهد لا كضحية صامتة، أنه استرجاع الروح عبر الكلام، الجريمة لن تمر بلا اسم وبلا محاسبة.
تقول احدى الاسيرات لازلت اسمع صوت ابواب السجن، صوت السجانات، رغم أنني في المنزل وتحررت، وصوت اخر يصرخ ويتلوى مقيدا عاريا نازفا جوعانا تغتصبه الكلاب، بينما ذلك الصوت يتحدث عن استشهاد القاصر وليد احمد في سجن مجدو بسبب الجوع وسوء التغذية، تحول التجويع الى حبل مشنقة، اصوات تروي كيف هجم السجانون على الأسير ثائر أبو عصب في سجن النقب وضربوه حتى الموت في تلك الليلة الموحشة، اصوات عن حرق الجلد بالسجائر والسحل والدعس والتعليق وشد القيود والحرمان من النوم والملابس والاغطية، الانحناء والركوع والموسيقى الصاخبة والمزعجة، صوت الهراوات والشتائم النابية، صوت الاقتحامات المتكررة والقنابل ولسع الهراوات الحديدية، السبطانات واعقاب البنادق والبساطير ورذاذ الفلفل، مرض الجرب وانعدام مواد التنظيف والدواء والماء، اصوات كثيرة ودماء على الأرض والجدران، اصوات عندما تتحدث تحاول أن تفك عن رقابها حبال تلك المشانق العديدة، لتصعد إلى المنصة، وتتسلق على صوتها لتتنفس وتخرج من الاقبية وتخاطب الرأي العام تحت الشمس.
لقد حررت الأمم عبر توثيقها لوحشية الاستعمار، وشكلت سلاحا قانونيا في الملاحقات القضائية ودفع المستعمرين إلى الاعتراف، وضمان أن لا تموت الحقيقة في زنازين المعتقلات، ولازلنا نذكر المناضل العالمي الصحفي يوليوس فوتشيك ومذكراته التي هربها من سجن بانكراك في براغ بعد أن اعتقل بتهمة مقاومة النازية، وأصبح يوم إعدامه يوما دوليا للتضامن مع الصحفيين، وشكل تقريره من تحت اعواد المشنقة عن وحشية النازية، دعما للمحاكمات اللاحقة وجبر الضحايا وتحرير الذاكرة.
لا زلنا نذكر صوت الطفل احمد مناصرة وهو يصرخ في وجه المحقق: مش متذكر، ايش ذنبي، انجنيت انا، ليصبح هذا الصوت محاكمة إنسانية عالمية عن اعتقال القاصرين وتعذيبهم في سجون الاحتلال، وظفته المؤسسات الحقوقية لسنوات في المطالبة بالإفراج عن الاطفال.
أسرى حركة ماو ماو في كينيا الناجون من المعتقلات، قدموا شهادات تفصيلية عن التعذيب الوحشي، لتكشف صمت التاريخ الاستعماري وتجبر الحكومة البريطانية على الاعتراف والاعتذار عام 2013.
حول نيلسون مانديلا زنزانته إلى جامعة سياسية، ادار حوارا مع السجانين، وشكل لجنة الحقيقة والمصالحة التي كانت مسرحا لمحكمة شعبية لأصوات الضحايا الذين عانوا من القمع والفصل العنصري، حيث أدلى آلاف الأشخاص بشهادتهم الشفوية في جلسات استماع علنية.
الأسير القائد مروان البرغوثي حول المحاكمات الاسرائيلية إلى منصة سياسية، والى لائحة اتهام ضد جرائم الاحتلال، وهو يعلن ان من حق الفلسطيني المقاومة، وان اليوم الأخير من عمر الاحتلال هو اليوم الأول للسلام.
استمعوا الى اصوات المشانق، ايها الباحثون و الحقوقيون والسياسيون، حولوها إلى أسلحة في هذه الحرب لحماية الرواية والهوية، والى خطاب مضاد للرواية الاستعمارية المهيمنة، فلم تكن هذه الأصوات مجرد رواية للألم، بل هي تضحية وبطولة، اخرجوها من الرعب والتهديد والصمت والتهميش إلى الفضاء والإعلام، لا تسمحوا للجلادين أن يخنقوا الحقيقة بحبل مشنقة، اصوات الاسرى بمثابة قنابل سردية كفيلة أن تغير مجرى التاريخ، وتهدم نظام السجن الذي تحول الى مقبرة، ومن يستطيع أن يحرر الصوت من الموت يستطيع أن يحرر الجسد والارادة وتستمر الحياة.
اكتبوا هذا الصوت، وحولوه إلى مرافعة وموقف سياسي وحركة جماهيرية غاضبة والى اغنية.



