الكاتب : د.قتيبة مسلم
المقدمة: بين استحقاق تنظيمي ومحطة مصيرية
تمر حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" بمرحلة دقيقة وحساسة من تاريخها، مع اقتراب موعد انعقاد مؤتمرها العام الثامن في الرابع عشر من مايو/أيار 2026. هذه المحطة لم تعد مجرد استحقاق تنظيمي مؤجل، بل تحولت إلى لحظة فاصلة تختبر قدرة الحركة على إعادة تعريف ذاتها، واستعادة دورها الطليعي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني. ففي ظل تراكم التحديات الداخلية والخارجية، والتحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة جذرية للأدوات والأساليب، وإلى عملية تجديد تنظيمي شامل يستند إلى أسس راسخة من الانضباط والعمل المؤسسي.
أولاً: أهمية التنظيم والتجديد والتطوير في حركة فتح
لقد قامت حركة فتح منذ انطلاقتها على مبادئ النضال الوطني والوحدة والقدرة على التجدد، وهو ما مكنها عبر عقود طويلة من الحفاظ على موقعها الريادي في الحركة الوطنية الفلسطينية. غير أن تراكم المتغيرات وتأخر المؤتمرات الدورية أدى إلى حالة من الجمود والترهل التنظيمي. وفي هذا السياق، يشكل المؤتمر الثامن فرصة حقيقية لإعادة ضخ الحيوية في جسد الحركة من خلال عدة محاور:
1. تجديد الشرعيات والهياكل القيادية: يفتح المؤتمر الباب أمام تجديد النخب القيادية داخل الحركة، وإفساح المجال أمام الطاقات الشابة والكفاءات التنظيمية للمشاركة في صياغة مستقبل الحركة. فالتجديد في القيادات والأفكار يشكل أحد أهم عوامل الاستمرار للحركات السياسية، ويمنحها القدرة على التكيف مع المتغيرات المتسارعة.
2. ترتيب البيت الداخلي وتعزيز الوحدة التنظيمية: تعاني الحركة من انقسامات داخلية وتضارب في مراكز القرار. المؤتمر الثامن هو فرصة لمعالجة هذا الخلل، وإعادة بناء الحركة على أسس ديمقراطية شفافة تعيد الاعتبار لدور القاعدة التنظيمية، وتكرس مبدأ المحاسبة والتجديد. فالتجربة أثبتت أن الانقسام أضعف الجميع، ومنح الاحتلال مساحة أوسع للتحرك.
3. تطوير البرنامج السياسي وإعادة تعريف الدور الوطني: في ظل التحولات الإقليمية والدولية، يحتاج البرنامج السياسي للحركة إلى تحديث يستند إلى الثوابت الوطنية ويستثمر في الوقت ذاته ما أفرزته المرحلة من فرص. المؤتمر الثامن مطالب بأن يكون مؤتمر تقييم وتصويب، يعيد تعريف الدور الطليعي للحركة كحركة تحرر وطني قبل أي توصيف آخر، ولا يختزلها في إطار إداري أو وظيفي مرتبط بالسلطة.
4. إعادة الثقة بين القاعدة والقيادة: لن يقاس نجاح المؤتمر الثامن بعدد الأصوات أو حجم التحالفات، بل بقدرته على إنتاج عقد تنظيمي جديد يعيد الثقة بين القاعدة والقيادة، وينهي سنوات الفتور والتآكل التنظيمي.
ثانياً: المقارنة مع تجارب حركات التحرر الوطنية الرائدة
عند النظر إلى تجارب التحرر الوطني في العالم، نجد أن قوة التنظيم وقدرته على التجديد كانت العامل الحاسم في نجاحها وقيادتها لمشاريعها التحررية.
1. تجربة الثورة الجزائرية (جبهة التحرير الوطني): اعتمدت جبهة التحرير الوطني تنظيماً محكماً جمع بين السياسي والعسكري، وجعلتها رؤيتها الواضحة بعيدة المدى قادرة على قيادة ثورة شعبية ضد الاستعمار الفرنسي الأقوى. لقد أظهرت التجربة الجزائرية أن نجاح حركات التحرر يتطلب هيكلية تنظيمية صلبة قادرة على توجيه الجماهير وتعبئتها وتنظيمها، وهو ما افتقدته فتح في السنوات الأخيرة مع تراجع دورها المؤسسي.
2. تجربة الثورة الفيتنامية (الحزب الشيوعي الفيتنامي): شكلت الإيديولوجية الوطنية التي غذّاها الحزب الشيوعي أساساً لدعم شعبي واسع النطاق، واعتمدت استراتيجية عسكرية مرنة مزجت بين حرب العصابات والحرب التقليدية. لكن الجوهر كان في التنظيم الحديدي للحزب على القاعدة الجماهيرية، حيث ساهم ذلك في استدامة المقاومة لأكثر من ثلاثة عقود. المطلوب من فتح اليوم استعادة هذه القدرة على التعبئة الجماهيرية، والتحرر من حالة الانفصال بين القيادة وقواعدها الشعبية.
3. تجربة الثورة الصينية (الحزب الشيوعي الصيني): تميز الحزب الشيوعي الصيني منذ تأسيسه بهيكلية مركزية لينينية صارمة، وتمكن من تحويل نفسه من حركة نخبوية إلى حزب جماهيري يضم ملايين الفلاحين والعمال. كانت المؤتمرات الحزبية المنتظمة محطة أساسية لانتخاب القيادة المركزية ومراجعة السياسات. فتح في حاجة إلى مثل هذه الآلية المؤتمتة والدورية لضمان عدم تراكم المشكلات وعدم تحول المؤتمر إلى ساحة لصراع مواقع بلا مشروع.
4. تجربة جبهة البوليساريو: أسست الجبهة تنظيماً سياسياً وعسكرياً متكاملاً، حيث يسيطر مفوضون سياسيون في كل كتيبة وفصيلة. كما تنتهج آلية تنظيمية صارمة تشمل المؤتمر العام (المؤتمر الوطني) كهيئة قيادية عليا. رغم الظروف الصعبة التي تعيشها الجبهة، فإن تماسكها التنظيمي مكنها من الاستمرار لعقود في النضال. وقد لوحظ أن أثر التصنيف الدولي سيكون أكثر فتكاً بالبوليساريو مقارنة بفتح، لأن الأخيرة تمتلك حضوراً وطنياً ومؤسساتياً أوسع.
الخلاصة المقارنة: قوة فتح تكمن في كونها لم تكن يوماً مجرد إطار تنظيمي أو حزب سياسي تقليدي، بل حالة نضالية جامعة. لكن هذه القوة تتحول إلى نقطة ضعف إذا لم تترجم إلى آليات تنظيمية فاعلة ومؤسسات قوية. المقارنة مع هذه التجارب تؤكد أن قيادة مشروع التحرر الوطني تبدأ من الداخل: تنظيم رصين، قيادات متجددة، رؤية واضحة، وعلاقة عضوية مع الجماهير.
ثالثاً: خطورة التقوقع والتهابات الشملاني في المؤتمر الثامن
لا يمكن الحديث عن المؤتمر الثامن دون معالجة الآفات التي تهدد بإفشاله وتحويله إلى مجرد إجراء شكلي، وفي مقدمتها:
1. خطورة التقوقع والجمود: الخطر لا يكمن في فشل المؤتمر، بل في نجاحه الشكلي، أن يخرج منظمًا ومتوازنًا في الصورة، فيما تبقى الأزمة على حالها في العمق. فالتجديد ليس إدخال أسماء جديدة أو تحسين الإخراج، بل إعادة تعريف العلاقة مع المجتمع ومع الكوادر ومع فكرة القرار نفسها. أي تغيير لا يمس قواعد العمل سيظل تغييرًا تجميلياً مهما بدا صاخباً.
2. التهابات الشملاني (الانقسام والتشظي الداخلي): الانقسام الداخلي في فتح لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل أصبح واقعًا بنيويًا يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية الفلسطينية، ويقوّض أي محاولة لبناء رؤية وطنية جامعة. لا يمكن للحركة أن تستعيد موقعها الريادي دون إنهاء حالة الانقسام الداخلي والتشظي التنظيمي، وأي مشروع إصلاحي حقيقي يبدأ من الداخل. المؤتمر يجب أن يكون محطة للوحدة، لا ساحة لتصفية الحسابات.
3. العقبات الميدانية والتمثيل غير المكتمل: يعقد المؤتمر الثامن في ظروف استثنائية، أبرزها انقطاع سبل وصول كامل أعضاء المؤتمر بسبب الاحتلال، إضافة إلى غياب جزء أساسي من الجسد التنظيمي في قطاع غزة جراء الحرب. هذا الواقع يهدد بتحويل المؤتمر إلى إطار غير مكتمل، فاقد لشموليته الوطنية.
4. تحويل المؤتمر إلى ساحة لصراع مواقع: الخطر الأكبر أن يتحول المؤتمر إلى معركة حصص بلا رؤية، وصراع مواقع بلا مشروع، حيث تطغى المحاصصة والترضيات على معايير الكفاءة والنزاهة. هذا من شأنه أن يكرس حالة الترهل والفوضى ويعمق أزمة الثقة.
الخاتمة: نحو استعادة الريادة والطليعية
تقف حركة فتح أمام مفترق طرق تاريخي. المؤتمر الثامن هو فرصة أخيرة لاستعادة الهيبة كحركة تحرر وطني، لا كإدارة سلطة. نجاحه يتطلب شجاعة القرار ووضوح الرؤية، بعيداً عن المجاملات والمحاصصة. إن ضعف فتح يعني بالضرورة إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا. وعليه، فإن الرهان الأول في هذا المؤتمر يكمن في استعادة الهيبة التنظيمية، وفرض معادلة واضحة تقوم على أن فتح ليست إطاراً مفتوحاً بلا ضوابط، بل حركة منظمة تعيد الاعتبار لدورها الطليعي في قيادة مشروع التحرر الوطني، وتستلهم دروس الماضي لتستعد للمستقبل، مع الحفاظ على إرثها النضالي وثوابتها الوطنية .



