الكاتب : شادي عياد
كانوا ثلاثة رجالٍ يتسابقون إلى الموت…
لا هربًا من الحياة بل عشقًا لوطنٍ يعرف كيف يخلّد أبناءه.
في عكّا يوم علت أقدام محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير فوق رقبة الجلاد، لم يكن المشهد مجرد إعدام ثلاثة شبّان بل كان ولادة فلسطين الجديدة .فلسطين التي تعلّمت أن الحبال لا تخنق الفكرة وأن السجن لا يهزم الذين سبقوا أرواحهم إلى السماء.
واليوم وبعد عقودٍ طويلة يعود المشهد ذاته.
الكنيست يقرّ قانون الإعدام كأن التاريخ يعيد نفسه بوجهٍ أكثر قسوة وكأنهم لم يفهموا بعد أن هذه الأرض أنجبت رجالًا كانوا يتسابقون على الشهادة يوم كان الجلاد يظن أن المشنقة نهاية الحكاية.
من سجن عكّا خرجت جنازة، نعم…
لكنها لم تكن جنازة رجال بل كانت جنازة وهم المستعمر بأن القتل يصنع النسيان.
واليوم يريدون أن يكتبوا فصلًا جديدًا من ذات الرواية السوداء:
قانونٌ يشرعن القتل ويمنح القاضي حبلًا بدل العدالة ويظن أن أرواح الأسرى ستخاف من منصةٍ صعد إليها قبلهم جمجوم وحجازي والزير وهم يبتسمون.
يا الله…
يا من جعلت الأرض ميراثًا للصابرين
ويا من قلت في كتابك الكريم إن مع العسر يسرًا
نستغيث بك لأسرانا ورجالنا خلف القضبان ولقلوب الأمهات التي ضاقت عليها البلاد كما ضاقت على أم فؤاد يوم نادته قبل الفراق.
اللهم كن لهم سندًا حين يشتد الظلام
وكن لهم نورًا في زنازين الحديد
واجعل من هذا الظلم شاهدًا جديدًا على أن فلسطين لا تموت وأن من يُعلَّقون على الحبال يهبطون في ذاكرة الوطن أعلى من الجبال.
ما أشبه الأمس باليوم…
من “يوم الثلاثا وثلاث” إلى أمس الكنيست،
المشنقة ذاتها والعقلية ذاتها والرهان ذاته على الخوف.
لكنهم ينسون دائمًا أن فلسطين لا تُنجب إلا من يقول:
“لأجل هالوطن ضحّيت بدمي… كلو لعيونك يا فلسطينا.”
سيذهب القانون إلى مزبلة التاريخ كما ذهب المندوب السامي من قبل
وسيظل ما بقي هو الأسماء التي هزمت الحبل:
جمجوم… حجازي… الزير…
وكل أسيرٍ يرى فيهم مرآته اليوم.
فيا رب يا حي يا قيوم
احفظ أسرانا وثبّت قلوبهم
واجعل من ظلم الجلاد نارًا تحرق قيده لا رقابهم .



