الكاتب : د. محمد جبريني
في السنوات الأخيرة، أصبح اسم إبراهيم حاضرًا ليس فقط في النصوص الدينية، بل في صلب الخطاب السياسي الدولي. فقد تحوّل النبي الأب لكل الأديان التوحيدية إلى رمز تُستند إليه اتفاقيات تُعلن في واشنطن وتحمل اسم “اتفاقيات إبراهيم”، في محاولة لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بين إسرائيل وبعض الدول العربية.
غير أن استدعاء إبراهيم سياسيًا يقتضي أولًا فهم مفهوم “العهد” ذاته، بوصفه حجر الزاوية في السردية الإبراهيمية.
ما هو العهد؟
العهد في السياق الديني ليس مجرد وعد عابر، بل هو رابطة ملزِمة بين طرفين، تقوم على الالتزام والمسؤولية. في التراث التوحيدي، العهد هو علاقة بين الله والإنسان، تتضمن وعدًا إلهيًا مشروطًا باستقامة البشر وعدالتهم. فهو ليس تفويضًا مطلقًا، ولا امتيازًا أبديًا خارج شروط الأخلاق.
في اللغة الدينية، يحمل العهد معاني: الالتزام، الأمانة، المسؤولية، والشرط المتبادل. ومن هنا تنشأ الإشكالية: هل العهد امتياز وراثي ثابت؟ أم هو تكليف أخلاقي مشروط بالسلوك والعدل؟
العهد في الأديان الثلاثة
تاريخيًا، كان العهد الإبراهيمي مختلفًا في معانيه باختلاف الأديان:
في اليهودية، يُرتبط العهد بالنسل والأرض، ويُفهم بوصفه وعدًا إلهيًا بإعطاء الأرض لذرية إبراهيم من نسل إسحق ويعقوب. في بعض القراءات الدينية–القومية، يتحول هذا الوعد إلى أساس لشرعية سياسية معاصرة.
في المسيحية، يتحوّل العهد من رابطة دم إلى رابطة إيمان. إبراهيم يُصبح “أبًا للمؤمنين”، ويغدو العهد علاقة روحية تتجاوز الانتماء العرقي. وهنا ينتقل المفهوم من الجغرافيا إلى الإيمان، ومن الأرض إلى الخلاص.
في الإسلام، العهد ليس وراثة بيولوجية، بل مسؤولية أخلاقية. فالعهد مشروط بعدم الظلم، ولا يناله الظالمون. وهو تكليف مرتبط بالعدل والتوحيد، لا بالانتساب القَبَلي. وبالتالي، يصبح معيار الاستحقاق هو الاستقامة لا السلالة.
هذا التباين في الفهم يعكس اختلافًا عميقًا بين قراءة ترى العهد ملكية، وقراءة تراه أمانة.
من العهد الديني إلى “العهد” السياسي
عندما يُعاد توظيف مفهوم العهد في السياسة المعاصرة، تتبدل طبيعته. فـ“اتفاقيات إبراهيم” ليست عهدًا دينيًا بالمعنى الروحي، بل اتفاقيات سياسية وأمنية واقتصادية بين دول. لكنها تستعير الاسم الديني لتمنح نفسها مشروعية رمزية، ولتوحي بأن السلام امتداد طبيعي للأخوة الإبراهيمية.
غير أن هذا الاستخدام يثير سؤالًا جوهريًا: هل يمكن استحضار الرمز الديني دون استحضار شروطه الأخلاقية؟ فإذا كان العهد في جوهره التزامًا بالعدل، فكيف يُستدعى اسمه في سياق لا يعالج جذور الظلم التاريخي في فلسطين؟
هنا يظهر التوتر بين المعنى الأصلي للعهد، بوصفه مسؤولية أخلاقية، وبين توظيفه السياسي بوصفه أداة تطبيع وتحالف استراتيجي.
التناقض البنيوي
يتجلى التناقض حين نقارن الخطاب الإبراهيمي الرمزي، القائم على التعايش، مع سياسات الأمر الواقع على الأرض: توسع استيطاني، إعادة تعريف للحدود، وسعي بعض التيارات إلى تكريس مفهوم “إسرائيل الكبرى”.
فإذا كان العهد في جوهره التزامًا أخلاقيًا، فإن تحويله إلى غطاء لمشاريع توسعية يُفرغه من مضمونه الروحي. بل يجعل من الرمز الديني أداة سياسية تخدم موازين القوة، لا معايير العدالة.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل نحن أمام “عهد سلام”، أم أمام “إعادة صياغة للمصالح” تحت عباءة إبراهيم؟
استعادة المعنى
ربما تكمن الحاجة اليوم في إعادة العهد إلى معناه الأصلي:
العهد ليس ملكية أرض بلا شرط،
ولا تفويضًا مفتوحًا خارج المحاسبة،
ولا عنوانًا دبلوماسيًا يُستخدم لتجميل اختلالات القوة.
العهد – في جوهره – مسؤولية أخلاقية تقوم على العدل، والعدل وحده هو ما يمنح أي اتفاق سياسي شرعيته واستمراره.
يبقى السؤال: هل ستنجح السياسة في استلهام البعد الأخلاقي للعهد، أم ستظل تستخدم اسمه بينما تتجاهل جوهره؟
الإجابة على هذا السؤال لا تحدد فقط مصير “الإبراهيمية السياسية”، بل تحدد أيضًا ما إذا كان إبراهيم سيظل رمزًا جامعًا للضمير الإنساني، أم سيتحول إلى شعار في صراع لم يُحسم بعد.
*المصادر محفوظة.



