الكاتب : محمد زهدي شاهين
من باب المسؤولية الوطنية والتاريخية نقدم ونرفع هذه التوصية إلى وزارة الحكم المحلي من أجل أن تقوم بتبنيها كمشروع يوصي باعتماد نظام انتخابي جديد يتماشى مع النظام الاجتماعي الفلسطيني وذلك بعد دراسة التوصية والاطلاع عليها بشكل جدي، وكلنا أمل وثقة بأن يتم تبني هذه الرؤية كمشروع يقدم للقيادة السياسية أصحاب القرار، ونأمل بأن يتم اعتمادها وإقرارها بعد تعديلها في حال تطلب ذلك، فنحن نعتقد بأن مضمونها يعد بمثابة وسيلة وطريقة فعالة وناجعة تساهم في تذليل الكثير الكثير من العقبات أمام تشكيل هيئات الحكم المحلي للبلديات والمجالس المحلية والقروية في بيئتنا الفلسطينية من أجل تمكينها من أداء واجبها الخدماتي والسير في طريق التنمية المستدامة في كافة مساراتها، وهذا الأمر بالتأكيد بحاجة إلى انحياز المنتخبين للكفاءات والمفاضلة بين هذه الفئة لا إلى الانحياز إلى إبن العشيرة أو المنطقة والحي كما هو سائد إلى حد كبير في ساحتنا الفلسطينية.
وهنا لا بد لنا من التنويه والتأكيد على أن للعشيرة دوراً اجتماعياً إيجابياً في تعزيز السلم الأهلي بين مكونات مجتمعنا الفلسطيني وفي تعزيز التضامن والتكافل فيما بين أفراد العشيرة، ولكن عندما تتحول العشيرة إلى أداة تنافس سياسي مغلق، فإنها قد تُنتج تعصباً يُفضي إلى صراعات تُضعف النسيج الاجتماعي والوطني. لذلك فإننا إذا أردنا التقدم في هذا المجال لا بد بأن تكون رابطة المواطنة هي الرابطة المتينة، ولا بد لنا من التحرر من عقلية العصبية إلى عقلية المؤسسة، ومن الولاء الضيق إلى الانتماء العام.
وفي هذا الصدد قمنا بعمل مقارنة بين النظم الاجتماعية العربية والنظم الاجتماعية الغربية، فالنظم الاجتماعية العربية تتميز بتركيزها على الجماعة (العائلة، القبيلة، الدين) كمحور أساس ، حيث تسود القيم التقليدية والترابط الأسري القوي، بينما تقوم النظم الغربية على الفردية والحرية الشخصية، مفضلة الاستقلالية والمساواة القانونية. ويركز العرب على الاحترام الهرمي والتقاليد، في حين يعتمد الغرب على العقلانية، الفردية، وفصل الدين عن الدولة. كما ويوجد هناك عدة اختلافات من أبرزها:
الأسرة والعلاقات: فالمجتمعات العربية تعرف بأنها نظام أسري ممتد، و الترابط الأسري فيها شديد، وتلعب الأسرة دوراً حاسماً في اتخاذ القرارات الفردية. والمجتمعات الغربية تسود فيها الأسرة النووية المكونة من (الوالدين والأطفال)، مع تشجيع الاستقلالية الفردية منذ سن مبكرة.
أما من ناحية القيم والتقاليد:
فالمجتمعات العربية ملتزمة إلى حد كبير جدا بالتقاليد، ويشكل الدين جزءاً كبيراً من التنظيم الاجتماعي والقوانين.
أما المجتمعات الغربية: فقيمها مبنية على العلمانية، والمساواة، والحرية الشخصية، مع سيادة القوانين الوضعية.
والكل فينا يقر بأن التحديث قد واجه في المجتمعات العربية تحديات كبيرة، حيث حاول محاكاة الغرب لكنه واجه معارضة من التقاليد المحلية على الرغم من مظاهر التمدن التي نعيشها.
كما ونلاحظ أيضا بأن النظم الغربية تقدم نموذجاً مبنياً على الاستقلالية والتطور التكنولوجي، بينما توفر النظم العربية نظاماً اجتماعياً يوفر دعماً مجتمعياً وقيماً تقليدية متوارثة، ومع ذلك، تواجه المجتمعات العربية تحديات في التوفيق بين التحديث والتقاليد، بينما تواجه الغربية تحديات اجتماعية تتعلق بالفردية المفرطة (الحرية الشخصية المفرطة) .
من خلال هذه المقارنة بين النظم العربية والنظم الغربية نجد من الواضح جدا بأن ما يتم تطبيقه من قوانين وأنظمة في بيئة ونظام اجتماعي معين لا يمكن تطبيقه في أماكن وبيئات ونظم اجتماعية أخرى بسبب هذا الاختلاف في النظام الاجتماعي والثقافي. وعند التمعن من خلال تسليط الضوء على واقعنا نجد أن لسان الحال يقول بأننا ما زلنا نقبع أسرى للعقلية القبلية والعائلية والحزبية الضيقة، على الرغم من كل مظاهر التقدّم الحَضري التي نعيشها. بينما نحن في حقيقة الأمر بأمس الحاجة للعقول المهنية والمهارات القادرة على التخطيط والعمل في هذا المجال.
وبما أننا نتحدث عن الانتخابات المحلية فمن حقنا التساؤل، فهل يا ترى قد رأى أي منا تغيرا على السلوك الانتخابي أو تغييرا في الحركة الانتخابية للناخبين خلال تجاربنا الديمقراطية السابقة؟، ومن عجائب الحال أيضا فإننا نرى بان الجمهور أو الناخب يطالب بالخدمات، ويشكو متذمرا من التراجع، ومع الأسف نجده في كل مرة يساهم في اعادة إنتاج ذات المشكلة. والأدهى والأمر من ذلك كله نجلس منتظرين واملين الحصول على نتائج مختلفة! كما ونشير إلى أمر آخر فيا ترى متى سيدرك البعض بأن البلديات والمجالس المحلية هي مؤسسات خدماتية وليست ساحات للنفوذ أو الصراعات والمقايضات!!
قد يرى البعض بأننا قمنا بتشخيص الحالة وفقا للبيئة المحيطة بنا، ولكن ما يدحض وينفي هذا ويؤكد على أن عملية تشخيص الحالة بأنها عملية دقيقة وواقعية لكون مجتمعنا الفلسطيني بمجمله يعتبر مجتمعاً تقليدياً بامتياز فالظاهرة إذا هي ظاهرة عامة، ومجتمعنا تترسخ فيه البنية العشائرية والعائلية كركيزة أساسية للتنظيم الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي. ويرتكز هذا الهيكل على العائلات الكبيرة (الحامولة) والقبائل أو العشيرة. وبهذا الشكل ووفقا لهذا الطرح المستند على تكوين وبنية نظامنا الاجتماعي يمكننا إقناع المجتمع الدولي بأن هذا النظام الانتخابي في حال إقراره سيكون هو النظام الأمثل والأنسب لنا بناء على نتائج تجاربنا السابقة، وبناء على أننا ما نزال نقبع ايضا تحت احتلال يقف ويشكل أمامنا عائقا وحائلاً في عدة قضايا. لهذا نقدم هذا المقترح:
أولاً: يجب أن يتم العمل على أخذ قرار سياسي ومن ثم سن التشريعات والقوانين اللازمة ضمن إطار ناظم للعملية الانتخابية وفقا لهذه التوصية.
ثانيا: نوصي بأن يتم حصر إجراء الإنتخابات البلدية في بلديات المدن الرئيسة فقط.
ثالثاً: فيما يتعلق بالمجالس القروية والمجالس المحلية والبلديات الصغيرة نوصي بالتالي:
أ- يجب أن يتم إلغاء العملية الانتخابية بالطريقة المتعارف عليها حاليا وهذا لا يتعارض مع مفهوم الديمقراطية بل يعد بمثابة عملية تنظيم لها وفقا ومراعاة للنظام الاجتماعي السائد.
ب- نوصي بأن يتم فتح باب الترشح في مديريات الحكم المحلي لكل من يرغب في رئاسة الهيئة الإدارية أو السلطة المحلية ضمن نطاق كل مديرية، وذلك وفقا لعدة معايير ودرجات قياس علمية واجتماعية ومؤهلات وقدرات شخصية وإخضاعه إلى عدة اختبارات، وبناءً على تلك النتائج يتم اختيار المرشح لرئاسة الهيئة المحلية بكل شفافية ونزاهة من قبل فريق مختص معتمدا على النتائج، ومن ثم يتم تكليفه من قبل وزارة الحكم المحلي باختيار هيئته الإدارية خلال فترة زمنية معينة وفقا لعدة معايير موضوعة مسبقا يتم فيها مراعاة مكونات المجتمع المحلي ، بمعنى أن يتم تشكيل السلطة المحلية بشكل متنوع يوائم بين حملة الشهادات العلمية وبين شخصيات اعتبارية وازنة لها حضور وحظوة بالمجتمع المحلي. وبهذا الشكل ووفقا لهذه الطريقة يمكن توفير الوقت والجهد والمال على كافة الشركاء، والابتعاد كل البعد عن أي من المؤرقات التي ترافق إجراء العملية الانتخابية وفقا للطريقة المعمول بها.
كما نوصي أيضا وعلى أقل تقدير ومن باب احترام قيم المواطنة التي تتمثل بالحقوق والواجبات (المسؤوليات) بأن يتم إعادة النظر فيمن يحق له الانتخاب أو التصويت والمشاركة في صنع القرار على أن يتم استثناء كل من لم يحصل على براءة ذمة من هيئة الحكم المحلي لعدم التزامه بواجباته وما يترتب عليه من تكاليف جراء تلقيه الخدمة من هذه المؤسسة وبأن يتم حرمانه من حق التصويت، فإن فاقد الشيء لا يعطيه.
*ماجستير تنمية بشرية وبناء مؤسسات/ تنمية مستدامة



