الكاتب : تحسين يقين
حدثان بشكل خاص أثّرا بجيلي، وما قبلنا وما بعدنا بعدة سنوات، أما الأول فهو محاولة "غوش ايمونيم" اغتيال رؤساء بلديات نابلس ورام الله والبيرة، حيث انطلقت المظاهرات في بلادنا، كان ذلك عام 1980، والتي استمرت من قبل ومن بعد خلال الحديث عن حل الحكم الذاتي وما تلاه من إنشاء ما سمي وقتها بروابط القرى، في حين كان الحدث الثاني هو اجتياح الاحتلال لجنوب لبنان بعد ذلك بعامين.
أتذكر الآن عبارتين سمعتهما وتكررت قراءتي هما:
- "الشعب الفلسطيني هو "الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط"، وهي لأبو عمار رحمه الله.
- "سجِّل أنا عربي، ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ، وأطفالي ثمانيةٌ، وتاسعهُم.. سيأتي بعدَ صيفْ! فهلْ تغضبْ؟"، وهي لمحمود درويش.
لم أفهم مقولة أبو عمار؛ فكل ما أعرفه أن المعادلات تخصّ الرياضيات. أما عبارة محمود درويش الشعرية الغريب شكلها عن الشعر العمودي التقليدي الذي نتعلمه، فقد استغربت وجود من يغضب لولادة الأطفال، خاصة لعدم وجود مباشر للاحتلال، ولم أكن لأدرك جوهر اليسار الإنساني هنا كموقف نقديّ للطبقية والكولينيالية.
مع تكرار عبارتي أبو عمار ومحمود درويش، تسرب الى وعيي جوهرهما، في أهمية الشعب الفلسطيني في عالم السياسة، وأهمية بقاء شعبنا من خلال الإنجاب، وهما ينسجمان معا، وتلك عبقرية القائد والشاعر معا.
أطلق الرئيس الراحل ياسر عرفات مقولته الشهيرة بأن الشعب الفلسطيني هو "الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط" عقب خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية بعد حرب بيروت الشهيرة عام 1982، في حين نشر الشاعر قصيدته التي اقتبست مطلعها عام 1964 أي قبل أن أولد بثلاث سنوات. كانت القصيدة بعنوان "بطاقة هوية" التي اشتهرت ب "سجّل أنا عربي" في نهاية ديوانه الأول “أوراق الزيتون” الصادر عام 1964.
كان عمر محمود درويش عند إصدار ديوانه 22 عاما. أي أنه كان 40 عاما في ظل حرب الجنوب وبيروت 1982، حيث كان يقيم هناك.
كنت عام 1982ابن 15 عاما، وقد استطعت الربط بين "بطاقة الهوية التي كان يحملها الكبار، وبين عنوان القصيدة. لكنني أتذكر أنني أحببت شعر محمود درويش، لأنه من لغتنا اليومية، بالرغم من مضامين أخرى كان صعبا علينا فهمها بشكل متكامل، فلم نكن أصلا قد تركنا عالم الطفولة. قلت في الوعي واللاوعي: كلامه قريب منا، وهو سهل، إلا من بعض الكلمات مثل "الكدح والفورة". ووقتها بدأت بمحاكاة هذا الأسلوب، ولم أدر أنني سأقضي ما تبقى من عمر مع الأدب، وكيف في لحظة علمت أن المحاكاة وحدها لا تكفي للإبداع، فأصيبت نصوصي في معظمها بالتكلف، لأهجر الشعر في السنة الجامعية الأولى في مصر، لكن لم أكن لأهجر الأدب، وخاصة أدب محمود درويش غني المضمون بجمالية إبداعية.
إذن هكذا تمت محاولات شطب فلسطين، وهكذا جابهها الفلسطينيون بالحب-الإنجاب، وهذا ما ظل يغضب الغزاة لولادة الأطفال. لكن لسوء تقدير الاحتلال، فإن محاولات نفي فلسطين جعلها أكثر حضورا. وهكذا كان ذلك هدف إجراءات حكومات الاحتلال المتعاقبة، فلم يكن وصف السماح للعدد القليل من فلسطينيي عام 1948 بالبقاء في وطنهم ب "خطأ بن جوريون"، إلا تجليا لهذا الهدف.
ثم ماذا يعني تكرار المجاهرة في مؤتمر هرتسليا بأن فلسطينيي عام 1948 هم الخطر الاستراتيجي الأكبر على "إسرائيل"؟ لم يكن هناك عدم مراعاة لمشاعرهم فقط، بل جعلهم المحتل خطرا، فماذا سيفعل الشعب الأصلاني؟ وكيف ستكون مشاعره؟
ما يحدث اليوم في فلسطين عام 1967، هو ما حدث عام 1948، كذلك هو الحال بالنسبة لأشقائنا العرب، حيث عادوا الى ما قبل الاستقلال؛ فقد استكثر عليهم الاستعمار الاستقلال الشكلي.
تشابه حالنا في فلسطين 1967 و1948، لكننا باقون، ولنا في فلسطينيي الداخل قدوة حسنة، كيف استطاعوا البقاء، حتى صار عددهم مستفزا للاحتلال. لقد أبدعوا في البقاء علما وعملا، فأحفاد الباقين اليوم أصحاب أعمال، وخريجي مختلف التخصصات، فقد أصبحوا يشغلون نسبة كبيرة مثلا في مجال الطب والتمريض.
في عام 1964، حين كتب درويش "بطاقة هوية"، كان الحال مختلفا، بسبب الأحكام العسكرية، وضيق الحال بعد أن سلب الاحتلال الباقين ما أمكنه، ولم يبق لهم إلا القليل، ورغم ذلك ضجّ الاحتلال بهذا البقاء، لذلك قال درويش:
"سجِّلْ أنا عربي وأعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجرْ وأطفالي ثمانيةٌ
أسلُّ لهمْ رغيفَ الخبزِ، والأثوابَ والدفترْ من الصخرِ
ولا أتوسَّلُ الصدقاتِ من بابِكْ ولا أصغرْ أمامَ بلاطِ أعتابكْ
فهل تغضب؟"
نعم يا محمود درويش، الجواب نعم، إن غضب وما زال يغضب، ويبطش وينفي ويهدم ويقتل. ولقد أبدعت أيها الباقي في وصف الأهل-الشعب:
"سجل أنا عربي أنا اسم بلا لقبِ
صَبورٌ في بلادٍ كلُّ ما فيها يعيشُ بفَوْرةِ الغضبِ
جذوري قبلَ ميلادِ الزمانِ رستْ
وقبلَ تفتّحِ الحقبِ وقبلَ السّروِ والزيتونِ..
وقبلَ ترعرعِ العشبِ
أبي.. من أسرةِ المحراثِ لا من سادةٍ نُجُبِ وجدّي كانَ فلاحاً
بلا حسبٍ.. ولا نسبِ!
يُعَلّمني شموخَ الشمسِ قبلَ قراءةِ الكتبِ
وبيتي’ كوخُ ناطورٍ منَ الأعوادِ والقصبِ
فهل تُرضيكَ منزلتي؟ أنا اسم بلا لقبِ!"
ولولا هذا الصبر العبقريّ، والانتماء العميق للأرض، والاعتماد عليها، ولولا حب الحياة والتمسك بالهوية، بالشجر بالثقافة والفن، لما بقينا:
"سجلْ أنا عربي
ولونُ الشعرِ.. فحميٌّ
ولونُ العينِ.. بنيٌّ
وميزاتي: على رأسي عقالٌ فوقَ كوفيّه
وكفّي صلبةٌ كالصخرِ... تخمشُ من يلامسَها
وعنواني:
أنا من قريةٍ عزلاءَ منسيّهْ
شوارعُها بلا أسماء
وكلُّ رجالها في الحقلِ والمحجرْ
فهل تغضبْ؟"
لقد غضب الاحتلال دوما من بقاء الشخصية الفلسطينية العربية، ففشلت عوامل الأسرلة، بل تسارع الوجود الفلسطيني القومي فيما تبقى من مدن وقرى ومضارب بدو:
سجِّل! أنا عربي سلبتُ كرومَ أجدادي
وأرضاً كنتُ أفلحُها أنا وجميعُ أولادي
ولم تتركْ لنا.. ولكلِّ أحفادي سوى هذي الصخورِ...
فهل ستأخذُها حكومتكمْ.. كما قيلا!؟
إذنْ سجِّل.. برأسِ الصفحةِ الأولى
أنا لا أكرهُ الناسَ ولا أسطو على أحدٍ
ولكنّي.. إذا ما جعتُ آكلُ لحمَ مغتصبي
حذارِ.. حذارِ.. من جوعي ومن غضبي!!"
لقد استمرت سرقة الأراضي بكل السبل غير المشروعة، فما كان من وضع اليد على أراضي المهجرين في فلسطين عام 1948، امتد هنا الى الضفة الغربية، وما قوانين الأراضي الجديدة إلا تجليا ودليلا على كراهية الاحتلال لوجودنا، وقطع الطريق على عودة لاجئي عام 1948 ونازحي فلسطين 1967.
اختصر الشاعر الشاب محمود درويش عام 1964حال البقاء هنا كأحد الباقين في الجليل، "وهو الذي حسم الأمر مبكرا: فلسطينية كانت ولم تزل"، وأراحنا من "التفلسف" في عبث حلول تستند الى النظر إلينا "كمجاميع" لا كشعب له حقوق سياسية، ولا كمواطنين؛ فكل الفلسطينيين خطر، ينبغي تخفيف أعدادهم.
أما شعبنا العريق فقد بقي وسيبقى، وسيعيش بوجود خبز يكفي يومنا، لأنه من هذه الأرض، لا مستعمرا جشعا يريد مال قارون، غير مكترث قليلا بنظرية العدّ، وللاحتلال (المغرق في عدنا) أن يبقى أسير عقدته، وللمعدودين أن يواصلوا الحبّ.



