الكاتب : شادي عياد
قد يبدو الجمع بين اسمي إيبستين ونظمي مهنا ضربًا من الخيال .
فالملفان مختلفان والتفاصيل لا تلتقي والسياقان متباعدان. لكن الغريب أن الصورة العامة متشابهة على نحو يثير الابتسام المرّ، وأن النتائج على الأرض تكاد تكتب سيناريو واحدًا مهما اختلفت الأسباب والبيئة.
في الحالتين وردت أسماء وتقاطعت مواقع وتكاثرت التسريبات وظلّ الحديث عن الملفات يثير فضول الجميع لكن المفاجأة أن كل من ذُكر اسمه سواء بصفة شاهد أو مشتبه به أو متداول أو حتى “قيل عنه”، لا يزال على رأس عمله يمارس يومه الوظيفي بهدوء إداري لافت كما لو أن العاصفة مرت بلا أثر وكأن كل ما حدث لم يكن سوى فصل عابر في الرواية اليومية.
هذا الهدوء يصلح أن يكون منهجًا في إدارة الأعصاب أو دليلًا تدريبيًا تحت عنوان كيف تمرّ العاصفة من حولك دون أن تبتل وكيف تتحول كلمة “ذُكر اسمه” من مصدر قلق إلى تفصيل عابر لا يؤثر حتى على ترتيب المكتب صباحًا.
وفي هذا السياق لا بد من التوقف احترامًا أمام القضاء الفلسطيني الذي أصدر حكمه النهائي وأدان نظمي مهنا، في خطوة تؤكد أن العدالة قادرة على الوصول حين تتوفر لها المعلومات والوقائع لتعمل، وأن دولة القانون موجودة حتى وإن كان التحدي الأكبر هو قدرة النظام على ضمان أن تكتمل صورة المحاسبة، وأن تُطمئن الجمهور أن الملفات لا تتحول إلى أرشيف مؤجل بلا نهاية.
في أميركا تحوّلت فضيحة إيبستين إلى سلسلة من التداعيات لا تنتهي وارتجفت بسببه نخب كثيرة ومؤثرة وسقطت أسماء كبيرة وارتبطت صورته بالقضاء والإعلام والصحافة حتى خارج حدود امريكا وشمل ذلك من لم يُدان رسميًا بينما هنا تبقى الأسماء محل ذكر وتمارس حياتها الوظيفية بانتظام وكأن كل شيء طبيعي وكأن الملفات ثقيلة الحجم لم تهزّ شيئًا إلا فضول المراقبين.
الفضيحة إذن ليست فقط في الحدث نفسه بل في الطريقة التي استُقبل بها وكيف تم امتصاصها وتدويرها وإعادة ضخها في الحياة العامة بعد أن فقدت حدتها، وهذا وحده مادة للابتسام المرّ والتأمل العميق. فالقصة الكبرى في كل مكان إما أن تُغلق بشفافية أو تبقى مفتوحة كمصدر دائم للأسئلة وأما أن تبقى مفتوحة وتستمر الحياة فوقها بهذا الهدوء الوظيفي النموذجي فهي مهارة إدارية تستحق الدراسة.
وهنا تحديدًا يصبح التشابه بين إيبستين ونظمي مهنا ليس في طبيعة الملف ولا في نوع التهمة بل في ذلك التشابه المدهش بين العاصفة والهدوء الذي يليها بين الضجة والطمأنينة بين الترقب المستمر والاستمرار الطبيعي للحياة وبين السؤال المفتوح والواقع الصامت. هدوء لا يفسره المنطق لكن يشرحه الواقع بكل مرارة مع الأسف الشديد .



