الكاتب : شادي عياد
أنا مواطن، ولستُ مشروع اتهام، ولا رقمًا في سجلّ وزارة، ولا وقودًا لخطب منمّقة تُلقى ثم تُنسى. أنا مواطن حائر، أنتظر جوابًا لا يأتي، وأسأل منذ سنوات، بينما منزلي صار في كل شارع، في كل ركن، في كل باب، لأن الوطن نفسه بات مشرَّدًا.
نقولها بلا مواربة: لسنا خائفين من الفقر. الفقر عرفناه، وتعايشنا معه، وصبرنا عليه طويلًا، لكن كل خوفنا من الضباب؛ من غياب الرؤية، ومن غياب الوعي، ومن غياب الإحساس بالناس عند من يحكمونهم.
في رام الله، حكومة تُتقن إدارة الوقت أكثر من إدارة الألم، وتجيد صياغة البيانات، وتُحسن تأجيل الأسئلة، وتطالب الناس بالصبر وكأن الصبر سياسة عامة لا تحتاج إلى أفق ولا نهاية. ليست المشكلة في فكرة الشرعية، ولا في وجود النظام والمؤسسات، بل في أن يشعر المواطن أن صمته صار إنجازًا، وأن وجعه تحوّل إلى ملف مؤجَّل.
ونقول هذا من موقع الانتماء لا الخصومة، ومن باب الحرص على الشرعية لا الطعن فيها، فنقدنا هنا مسؤول، إصلاحي، وموجَّه لمن نراهم أهلًا للتصويب لا للهدم.
أما في غزة، فهناك مأساة أوضح وأقسى، ولا لبس فيها. حكم الإخوان لم يعد مجرد خطأ سياسي، بل تحوّل إلى سلطة مغلقة وظلامية، اختطفت القطاع باسم المقاومة، واختزلت الوطن في التنظيم، وحوّلت التضحيات إلى غنائم، والدم الفلسطيني إلى رصيد سياسي يُستثمر عند الحاجة.
في غزة، لم تعد الثورة قيمة أخلاقية، بل ذريعة دائمة للسيطرة، ولم يعد المواطن شريكًا، بل عبئًا يجب ضبطه أو إسكات صوته. هناك، صارت الشعارات أعلى من الإنسان، وصار الوطن أصغر من الكرسي.
«سادتي… وأنتم حكمتم حكمكم حكم الصواب» لا تُقال هنا مديحًا، بل مرآة قاسية، فالصواب لا يُقاس بطول البقاء في الحكم، ولا بعدد الخطب، ولا بحدة الشعارات، بل بقدرتكم على حماية الوطن لا استنزافه.
نحن لا نطلب المستحيل. لا نريد فخامة، ولا زعامة، ولا ألقابًا. نطلب شيئًا واحدًا فقط: خلّولنا الوطن.
خذوا المناصب، وخذوا المكاسب، وخذوا الامتيازات، لكن اتركوا لنا وطنًا نعيش فيه، وطنًا لا يُدار كغنيمة، ولا يُحكم كغرفة تنظيم، ولا يُستهلك في صراعات لا تجلب سوى الفشل.
أنا لا أريد أن أكون منكم، يشهد الله والزمن. حلمي كلمة واحدة: أن يبقى عندي وطن. لا حروب عبثية، ولا خراب باسم الشعارات، ولا مصائب تُقدَّم لنا على أنها قدر لا يُرد.
الوطن أعظم من الكراسي، وأغلى من الحسابات، وأنقى من كل الرايات حين تنفصل عن الإنسان.
يا وطن، أنت عزّنا، وتاج رؤوسنا، وفخر المواطن، والمناضل، والسياسي الحقيقي، لا ذاك الذي باعك ليحكم فوق أنقاضك.
هذه ليست أغنية، هذه استغاثة شعب. فهل من يسمع، أم أن الضباب ما زال كثيفًا؟



