الكاتب : يحيى الكبيسي
تحدثنا أكثر من مرة عما أسميناه “اللعبة المزدوجة” التي مارستها، وما زالت تمارسها، الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في العراق منذ العام 2003، وعن المتغيرات التي أربكت أحيانا هذه اللعبة، لكنها لم تنهها!
وشرحنا كيف “تعاونت” إيران مع “الشيطان الأكبر” منذ نهاية التسيعنيات، تحديدا بعد إصدار الكونغرس الأمريكي قانون تحرير العراق في العام 1998، على الرغم من أن الخميني نفسه كان قد حذر في كتابه “الحكومة الإسلامية” من «المتعاونين» الذين يضعون أيديهم في أيدي “شياطين العالم” للقضاء على “صوت الإسلام المحمدي”! وكيف أن خليفته الخامنئي أعطى الضوء الأخضر لعبد العزيز الحكيم لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2002 في سياق الإعداد لاحتلال العراق، بل وسمح للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وذراعه العسكرية فيلق بدر، اللذين أنشأهما الخميني نفسه في العام 1982، باستلام أموال أمريكية وفقا للأمر التنفيذي (P. D. 99.13) الذي أصدره الرئيس بيل كلينتون عام 1999، الذي قضى بتمويل ستة تنظيمات بموجب قانون تحرير العراق!
وأوضحنا كيف تعاونت إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد الاحتلال على تقاسم النفوذ في العراق، عبر أداتها الرئيسية في ذلك الوقت، وهو المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، سواء من خلال انضمامه إلى مجلس الحكم، أو من خلال القبول بإدماج فيلق بدر في سياق تنفيذ الأمر رقم 91 الخاص بدمج الميليشيات في القوات العسكرية والأمنية العراقية التي شكلها وأشرف عليها “الشيطان الأكبر”، وكيف أن الشرطة الاتحادية تشكلت بشكل رئيس من أعضاء منظمة بدر، وأن هذه المؤسسة تحولت عمليا إلى “غطاء” لها!
وبينا كيف تعاونت إيران والولايات المتحدة الأمريكية، كحلفاء على الأرض، في سياق الحرب ضد داعش بين عامي 2014 و 2017، على الرغم من رفض الولايات المتحدة حينها انضمام إيران إلى التحالف الدولي ضد داعش الذي شكلته في سبتمبر 2014! وكيف أن الميليشيات العراقية التي دعمتها ودربتها إيران، وتعدها أذرعا عقائدية لها، كانت تحظى بغطاء جوي أمريكي، وتسلح بأسلحة أمريكية متطورة، تحديدا فيما يتعلق بالصواريخ المضادة للدروع! وأن هذا “التعاون” لم يتصدع إلا بعد انسحاب إدارة ترامب في أيار 2018 من الاتفاق النووي مع إيران، ثم فرض عقوبات عليها بداية من آب في العام نفسه.
مع سقوط أول صاروخ كاتيوشا على السفارة الأمريكية في بغداد في 19 أيار 2019 كتبت مقالة كانت بعنوان: “رسائل عبر الكاتيوشا” أن الإيرانيين أرادوا إيصال رسالة واضحة إلى الأمريكيين أن العراق سيكون ساحة مواجهة رئيسة في الصراع الأمريكي الإيراني، وهو ما دفع برئيس مجلس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي إلى إصدار الأمر الديواني رقم 237 بتاريخ 1 تموز 2019 في محاولة منه لضبط تلك الميليشيات، وعدم جرها العراق إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن هذه المحاولة فشلت فشلا ذريعا!
وقبيل المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي جرت في مسقط في نيسان 2025 كتبت في مقالة بعنوان: “المفاوضات الأمريكية الإيرانية وورقة العراق” أن العراق منذ عام 2011 لم يعد يحضر في استراتيجيات الأمن القومي الأمريكية سوى بوصفه عنصر تهديد بسبب هشاشة نظامه السياسي، وليس بوصفه دولة حيوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وبالتالي فإن الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة، في سياق أي صفقة محتملة مع إيران، بقبول ضمني بالهيمنة الإيرانية على العراق “بما في ذلك القبول ببقاء الميليشيات نفسها فيه مع بعض الإصلاحات الشكلية، مقابل ضمانة إيرانية بأن لا يتعدى نفوذها الداخل العراقي”!
وبعد الضربة الإسرائيلية الأمريكية على إيران في حزيران 2025 ، والعقوبات الأمريكية على بعض الميليشيات العراقية الوكيلة لإيران كتبت في مقالة بعنوان “هل بدأ تفكيك الميليشيات في العراق؟” أن القراءة الدقيقة تؤكد أن الموقف الأمريكي من الميليشيات/الحشد الشعبي ليس موقفا أمريكيا نهائيا، بل أمام ورقة ضغط قابلة للمساومة، خاصة وأن إيران ليست مستعدة بالمطلق لخسارة العراق بأي ثمن. كما أن الفاعلين السياسيين الشيعة لايزالون ينظرون إلى الحشد الشعبي بوصفه الضمانة الوحيدة للإبقاء على الحاكمية الشيعية في العراق، وبالتالي لبقائهم هم أنفسهم في السلطة، لذلك فإن نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية، هي التي ستحدد مستقبل هذه الميليشيات/ الحشد الشعبي في العراق!
اليوم يتجدد السؤال نفسه، مع بعض المتغيرات، فالموقف الأمريكي المعلن تجاه الميليشيات أصبح موقفا معلنا، مصحوبا بعقوبات وتهديدات، وصل الأمر إلى التدخل المباشر لمنع تشريع قانون جديد يوسع صلاحيات هيئة الحشد الشعبي التي تشكل الغطاء لتلك الميليشيات، ثم لنصل إلى تهديد مباشر من الرئيس ترامب شخصيا بوقف أي تعاون مع العراق في حال وصول نوري المالكي، مرشح الإطار التنسيقي الشيعي، لمنصب رئيس مجلس الوزراء. ليأتي السؤال هنا مرة أخرى: هل الموقف الأمريكي من وكلاء وحلفاء إيران في العراق موقف نهائي، أم هو ورقة ضغط إضافية على الإيرانيين؟
شخصيا ما زلت مقتنعا أن الولايات المتحدة لم تعد ترى العراق إلا من خلال العلاقة مع إيران، وأن أي موقف تجاه العراق لا يمكن فصله مطلقا عن موقفها تجاه إيران. لهذا أجد أن هذه العقوبات والتهديدات والفيتوهات قابلة للمراجعة إذا ما تم التوصل إلى اتفاق “جيد” مع الإيرانيين فيما يتعلق بملفي النووي والأسلحة البالستية، وأن الأمريكيين ليست لديهم أي مشكلة في الإبقاء على “هيمنة” إيرانية في العراق، مقابل ضمان إيران بأن لا تشكل ميليشياتها في العراق أي خطر على إسرائيل أو دول الخليح العربي، فضلا عن تخليها عن أدوارها في لبنان واليمن.
إن تجربة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق على مدى 23 عاما أثبتت أنها غير معنية بالديمقراطية أو حقوق الانسان أو سيادة القانون أو الحوكمة، بل هي معنية بمصالحها، وأنها مستعدة للتعاطي مع أنظمة استبدادية وطائفية ما داموا أصدقاء، أو على الأقل ليسوا أعداء، ولا يهددون مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. وربما تكون إدارة ترمب أكثر تطرفا في هذا السياق، فهي بتحويلها العلاقات الدولية إلى منطق الصفقة، مستعدة لقبول كل شيء ما دامت الصفقة ناجحة بالنسبة لها!
* كاتب عراقي



