الكاتب : باسم خندقجي
لم يكن القرن التاسع عشر مجرد عهود من الثورات وبزوغ القوميات والأنوار التي أنارت دروب أوروبا المظلمة، بل كان قرناً لتأطير وأدلجة السيطرة والعنصرية وتقسيم العالم، وفقاً لرؤى وأعباء الرجل الأبيض، ليأخذ الاستعمار الغربي منعرجاً مفارقا لنشأة وتطور الموجات والحركات الاستعمارية على مدار التاريخ، وبهذا بات الاستعمار بصيغه الحديثة والمعاصرة، شأناً من شؤون الميتافيزيقيا الغربية المتحررة من محددات المقدس بنسخته البابوية السلطوية، ومُحمّلا بأكبر قدر ممكن من رموز ودلالات ومفاهيم المقدس، وفق رؤية صارمة تستدعي وتبعث الأساطير القومية الضاربة في القدم من رقادها، وإذا ما امتزج القُدسي مع الأسطوري، فإن هذا يكفل حتماً نشوء، بل إعادة بلورة القومية، بحيث تغدو مؤسسة على قواعد فوق تاريخية وحصرية ومحددة، ليس ثمة مساحة فيها لأي آخر شاذ عن هذه القواعد ، وهذا ما جرى على سبيل المثال عندما بُعثت القومية الجرمانية من سحيق التاريخ، في سياق القرن التاسع عشر، وفق المعادلة الهووية الرهيبة والمغلقة (1+1=2) وأي آخر لم يساو اثنين كان مصيره أن يقع ضحية نتائج هذه المعادلة الكارثية، ألا وهي المحرقة النازية.
وفي هذا السياق المتعالي للاستعمار نشأت الحركة الصهيونية، التي استفادت ببراعة وعبقرية، من سياسات وإجراءات ومعادلات الاستعمار الأوروبي الغربي كافة، بحيث أنها جاءت إلى فلسطين بحمولتها التوراتية المعدلة حداثياً، لتغدو القومية اليهودية الصهيونية المخترعة، لاهوتا سياسيا مغلقا على الذات الصهيونية الحديثة، وعليه عندما يجري التعرض والتعامل مع الحركة الصهيونية على أنها مجرد حركة تحرر قومي وفق التأكيد والتصنيف الصهيوني، ينزع عنها صبغتها الاستعمارية، فالتأكيد على كولونيالية هذه الحركة يسلط الضوء على أهم مضامينها وإرهاصاتها الخفية، ومن هنا تستحيل معادلة (1+1=2) إلى كينونة خلق تامة وليست مجرد معادلة وعدة وصفات للإقصاء، كينونة شاملة لا حدود لطموحاتها وتطلعاتها وأهدافها، ولم تخلق فحسب الإنسان الصهيوني الإشكنازي الأبيض والمهيمن، بل خلقت الآخر الفلسطيني المنكوب والمستعمَر، وبهذا تصير المعادلة والكينونة قائمة على كائن كولونيالي صهيوني مستعمِر، وكائن كولونيالي فلسطيني مستعمَر، لتتجلى هذه الكينونة في اللحظة الصهيونية الحاسمة، ألا وهي نكبة عام 1948، التي نتجت بدورها واستكملت عدة نكبات تمهيدية سبقتها كموجات الهجرة الاستعمارية والاستعمار البريطاني، وبهذا المعنى لا تغدو النكبة حدثاً فلسطينياً، بل صهيونياً تماماً ومستمرا وزاحفا، غير أنها في السياق ذاته أصبحت الكينونة الفعلية التي خلقت دولة الكيان الصهيوني، بكل تمثيلاتها، وخلقت أيضاً الفلسطيني المشوه، إذ أنه وما قبل النكبة ـ أي السياق التاريخي للسياسات الصهيونية الكولونيالية ـ لم يكن ثمة فلسطيني مشوه باللجوء، والقتل والإبادة والإبعاد والأسر، والملاحقة والمنفى والشتات ومصادرة الأرض، أي أن الفلسطيني ككائن مستعمَر أُنتج صهيونياً، وفق إجراءات ومسارات معرفية سلطوية صهيونية استعمارية، ولكن هذه الكينونة الكولونيالية عجزت عن تفكيك واختراق ما سعى إليه الفلسطيني من سردية وهوية وطنية، وبالتالي واجه الفلسطيني عملية خلقه وتفكيك إنسانيته الخارجية الصهيونية، من خلال إعادة خلق نفسه داخلياً، وهذا ما تجلى في سياق تطور الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، التي سعت نحو تأسيس قواعد المواجهة والكفاح الذي يكفل تحطيم الكينونة الصهيونية الكولونيالية.
غير أن تحطيم وتفكيك هذه الكينونة، لا يقف عند حدود المقاومة الفيزيائية المباشرة بأشكالها كافة، بل إنه يجب الانطلاق من الداخل، من العالم الجواني لهذه الكينونة، والمتمثل بتصوراتها ورؤاها وتقنياتها ومقولاتها الأخلاقية، أي أن المقصود هنا أن الفلسطيني لا فكاك له من هذه الكينونة، إذا لم يقم بتفكيك أسسها الفوق تاريخية واللاإنسانية، عبر سردية ناتجة عن الاشتباك مع الوعي الصهيوني العنصري والإقصائي، وبقدر ما يفكك الفلسطيني سردية الكائن الصهيوني المستعمِر، بقدر ما يغدو قادرا على استعادة إنسانيته وملامح هويته البعيدة كل البعد في هذه الحالة عن العنصرية.
بهذا المعنى تصبح عملية الاستعادة والتفكيك مزدوجة، وقادرة على تحطيم مرايا الصهيوني المشوهة والمعطوبة، عبر إنزاله من حالة صهيونيته الكولونيالية إلى إنسانية أقصتها الحركة الصهيونية منذ نشأتها عن متن سرديتها الشاملة، هذه السردية التي أحالت اليهودي التائه والجوال والملاحق والضحية في أوروبا القومية العنصرية، إلى قاتل متسلسل مأزوم ومذعور في الوقت نفسه من مخاطر وجوده، قاتل عنصري مصاب بأعتى حالات الفصام، التي تجلت بأبشع صورها في عدوان الإبادة الجماعية المستمر على غزة، حين قام أحد ضباط الجيش الصهيوني بإهداء ابنته بمناسبة عيد مولدها تفجير ومسح حي كامل من أحياء غزة عن وجه الأرض، وهذا ما يؤكد بالنهاية ضرورة أنسنة هذا الضابط لكي يقوى الفلسطيني على هزمه أخلاقيا وسردياً وكفاحياً، بل ، يتوجب علينا تفكيك لا إنسانيته من خلال أنسنته حتى نستعيد إنسانيتنا.
كاتب فلسطيني



