تذكرت أيضاً صديقاتي اللواتي أُحبهن، وكنا حين نتشاجر ونحن أطفال يقُلنَ لي بلهجة تونسية: "إرجع لبلادك"، فأركض إلى حضن والدي وأصرخ في وجهه: "يلا نرجع هلأ هلأ"، فأفتح جرحه من جديد، ومع ذلك، فقد بقيت تونس وطناً وحضناً كبيراً حفر بداخلي تجربة استثنائية.
دمشق ولحظات من الانتماء ..
استيقظت طفولتي على تعريف قاسٍ مفاده أنني لاجئة فلسطينية من قرية عنابة المهجرة، التي دمرتها القوات الصهيونية سنة 1948، كان أبي محظوظاً بأن وُلد فيها، وكذلك أجدادي. وكنت من الجيل الذي تشرذم في المنفى؛ بين دمشق وتونس والأردن حاملةً أمل العودة بين يدي وعبء وعود الاحتلال الكاذبة وما سُمي "اتفاقية سلام" أبقتني لاجئة.
امتلأت طفولتي في المنفى بتساؤلات شكلت معالمها: "لماذا أعيش بعيداً عن وطني ولا نستطيع حتى زيارته؟" علّقتني هواجسي بوطني البعيد، وأحببته أكثر، ولم تكن البلاد المستقرة التي عشت فيها آمنة! كنت أتوق إلى أمان الوطن ودفء العائلة الكبيرة مظللة بأجدادي ولمة الأحفاد.
البداية كانت دمشق، حيث ولدت وحيث تقيم عائلة والدتي، قبل أن ننتقل إلى تونس ملتحقين بمنظمة التحرير الفلسطينية التي غادرت لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت.
بقيت دمشق محطتنا خلال العطلات الصيفية، فيها أنعم بدفء العائلة مع الأخوال والخالات وجدتي وجدي الذي اضطر إلى الهجرة من فلسطين قبل النكبة بعد نضاله الطويل مع الشهيد عبد القادر الحسيني. انتميت إلى هذا الجزء من العائلة طوال الصيف قبل أن أعود مع عائلتي الصغيرة إلى تونس، كنا نزور أيضاً عماتي في عمّان، الوحيدات اللواتي التقيتهنّ من عائلة والدي، وكن يشبهنه كثيراً.
مرة صادف حلول العيد خلال إحدى زياراتنا الصيفية إلى دمشق، وكان من أجمل الأعياد؛ إذ كان يعجّ على غير المعتاد بالزيارات العائلية والعيديات والألعاب وتنتشر فيه المراجيح في الشوارع وكل ألوان الحلويات. يملك خالي ماكينة لصناعة حلوى "شعر البنات"؛ إذ كان يغزل معها أرواحنا بالسكر والألوان التي نحبها، وعشت أخيراً جو العائلة وهو من طقوس الأعياد المفقودة في تونس حيث لا أقارب هناك.
الطفولة في تونس ..
لم يكن العيد سوى قصة واحدة من آلاف القصص المؤلمة؛ إذ لم يكن في تونس إلاّ عزلة، بحيث يترك أصدقائي التونسيين الحي ليمضوا العيد مع أقاربهم في مدن أُخرى، ونبقى نحن وبعض العائلات الفلسطينية، إذ كنت أناديهم "عمو" و"خالتو" لكنهم بداخلي لم يكونوا كذلك، على الرغم من حبي لهم، فالعيدية لا تكون إلاّ من الأقارب. وعندما يبدأ العيد بعد عودة أصدقائي، أفرح وأشتري الحلوى وأطير.
في تونس التحقت بمدرسة "القدس" الخاصة بالفلسطينيين والتي اعتمدت المنهاج الأردني، وكان هذا بمثابة تذكير بأننا لاجئين، حتى المدرسة كانت مصنعاً للشوكولاطة وتفتقر لمواصفات أي صرح تعليمي، فبعض الصفوف تفتقر للنوافذ، والساحة مغلقة وكأنها في قفص. في الحصة، كانت تأخذني أحلامي لإغلاق المدرسة وإعادتها مصنعاً للشوكولاطة، آخذ مؤونتي منها وأعود إلى وطني. ماذا لو صار الحلم حقيقة؟
كبرت أحمل ثقافات متنوعة، مراقبة للأحداث لكنني في الوقت ذاته ضحية منذ البداية وبقيت كذلك حتى بعد أن أصبحت كاتبة؛ فأنا الراوي وأنا الحكاية.
استيقظ وعيي على 3 صور معلقة على الحائط في بيتنا لـ3 قادة: أبو جهاد الذي اغتيل سنة 1988، وأبو إياد وأبو الهول اللذان اغتيلا سنة 1991، عرفت أن الفلسطينين ملاحقون ومهددون بالقتل أينما كانوا. وهكذا، نما الوعي كما نمت قراءاتي من مكتبة الوالد، وأبرز ما كان فيها كتاب "فلسطيني بلا هوية" للقائد الشهيد أبو إياد و"رحلة جبلية رحلة صعبة" للشاعرة فدوى طوقان، وهي كتب تحمل عناوين كبيرة جسدت الواقع الفلسطيني.
أمّا في الغربة، فقد تابعنا من بعيد أحداث الانتفاضة الأولى 1987-1993 وما يفعله جنود الاحتلال وهم يكسرون عظام الشبان الصغار ويقتلونهم، أذكر كيف كان أبي يقف وسط صالة البيت وهو يشتم الاحتلال بغضب وألم كبيرَين. واليوم، نشاهد إبادة النصف الآخر منا في قطاع غزة التي تبعد عنا ساعتين، فنشعر بمسافة يستحيل تجاوزها وبعجز كبير.
إشارات من الأرض المحتلة ..
في التسعينيات، بدأ الفلسطينيون الرحيل من تونس، فقد توقفت رواتب جزء كبير منهم بسبب الحصار المالي المفروض على منظمة التحرير للضغط على القيادة الفلسطينية من أجل الانضمام إلى مباحثات مدريد للسلام، والتي أفضت لاحقاً إلى اتفاقية أوسلو.
كنت محظوظة بزيارة عمي علي قادماً من أحضان الأرض المحتلة، أذهلني وأنا طفلة آنذاك الشبه الكبير بينه وبين والدي، راقبت ذلك وأنا أشعر بأنني في نعمة من الله، وكتبت له قصيدة ترحيبية، وعندما جاء أصدقاءنا الفلسطينيين للترحيب بعمي التفتُ إليهم وأنا ابنة العاشرة، وقلت بحسم: جاء عمي الحقيقي! ضحكوا جميعاً مع تمتمة فيها بعض العتاب على قدر المحبة.
استمتعت بلهجة عمي العنابية، بينما تشتت لهجة والدي الذي عاش في الأردن، ولبنان، والسعودية، وفي سورية حيث التقى بوالدتي هناك وهي في الأصل من طيرة حيفا المهجرة ولديها أخ شهيد في لبنان، تزوجا وذهبا إلى ليبيا حيث وُلد أخي الأكبر. وكانت تونس المحطة الأخيرة قبل العودة.
وعلى الرغم من وجود عائلتي، فقد عشت يتيمة بلا وطن، بلا بيت حقيقي، عشت وحيدة في مكان ومدرسة وبيت موقتين، بحيث لا نعرف أين سنكون غداً! غادر عمي، لكنه قطع لي وعداً بعودتنا قريباً، وهو ما جرى بعد عامين.
معنى أن تكون لاجئاً..
كان والدي في العشرين من عمره حين رحل من الضفة قسراً بعد أشهر من نكسة سنة 1967، فقد لاحقته قوات الاحتلال لاعتقاله بسبب مشاركته في مسيرة طلابية. قررت العائلة ترحيله لكي يكمل تعليمه ويكون سنداً لها، فقد تحولت من عائلة غنية تملك أراضي في عنابة إلى فقيرة لاجئة تسكن مخيم الجلزون للاجئين في رام الله.
لم تكن حياة اللجوء خياراً، لكنني اخترت التحدث عن كل هذا القهر؛ إذ غادر والدي متخفياً في عربة خضار إلى الأردن، وفي الطريق شاهد والده عاملاً في شارع قلنديا، لم تلتقِ أعينهما، لكن والدي رأى أباه منهكاً من عمل شاق لم يعتد عليه، ومات جدي مبكراً في سن الستين من عمره، ولم تتح لي فرصة لقائه بيد أن هذا المشهد الأخير بقي قاسياً لا يُنسى.
كنتُ الطفلة اللاجئة التي عليها أن تحتمل قصة تحولنا إلى لاجئين ويُتْم المنافي، وفي الوقت ذاته أشاهد قادة العالم وهم يدفعوننا إلى طاولة المفاوضات بسهولة مع المحتل، متجاهلين عذاباتنا وسرقة أرضنا، وأحلامنا ومستقبلنا الذي غيّره الاحتلال.
لم يُسلم عمي عليّ من ثقل اللجوء، فقد اتخذت العائلة قرار تركه في المدرسة وهو في العاشرة من عمره، كان متفوقاً وقد بكى كثيراً وجاء أحد معلميه لكي يقنع جدي بالعودة عن قراره، لكنه سرعان ما تفهم احتياج العائلة الفقيرة إلى دخل يجعلها تعيش بكرامة. لم يتوقف عن القراءة، وكان يبكي كلما رأى أقرانه حاملين كتبهم المدرسية، فانتسب إلى مكتبة رام الله العامة؛ إذ كان قارئاً نهماً بين صنوف الأدب والعلوم وأصبح يُعرف بالخياط إلى يومنا هذا.
رحلة العودة ..
عند عودتنا، كنت أسعد طفلة في العالم. باعت العائلات الفلسطينية آثاثها ونحن أيضاً بعنا بكل ما نملكه من ذكريات جاءت من عدة دول. أذكر جدال والدي على البيع بثمن رخيص أحياناً، فليس الثمن مهماً، إنما الهدف الأسمى، وهو العودة، نمنا على الأرض لفترة، لكنني كنت سعيدة بذلك، حتى أنني بررتها؛ إذ كان حرّ تونس يحتاج إلى شيء من برودة الأرض، وفي النهاية لا أريد أن أبقى يتيمة طوال حياتي أستجدي دفء الوطن.
بدأت الرحلة من مطار قرطاج الدولي، بدوت وكأنني استسهلت الرحيل والفراق، على عكس صديقاتي التونيسيات اللواتي انهمرن باكيات، لم أفهم دموعهن، ولم ينهمر بداخلي سوى شوقي للوطن واندفاعي فرحاً إليه، وعندما كبرت بقيت تونس، حيث عشت 12 عاماً، وطناً آخر في داخلي.
لم تدم فرحتنا واضطررنا إلى قضاء عام كامل في عمّان بانتظار الموافقة الإسرائيلية للدخول إلى فلسطين. وعلى الرغم من حبي للمدينة حيث عماتي، فإنني عشت أكثر أيامي خيبةً؛ إذ رفضت تكوين صداقات جديدة، وتراجعت علاماتي في المدرسة، وعشنا تحت توتر الانتظار.
تبادلت الرسائل البريدية مع صديقتي الأقرب إليّ في تونس والتي كانت تطلعني بأحداث الحي، هي أيضاً فلسطينية حصل والدها على الجنسية التونسية منذ دخولها شاباً إليها، واضطر إلى تغيير اسم العائلة وقتها، أذكر فرحها باستعادة اسم عائلتها المقدسية في الأوراق الرسمية بعد سنوات، فرحاً يشبه طريق العودة إلى فلسطين.
وفي صيف سنة 1994 بدأت رحلة العودة مع أكثر من 35 حقيبة وبعض الآثاث عبر جسر الملك حسين. راقبت كل شيء جيداً بدءاً من الجانب الأردني ثم معبر "أللنبي" الإسرائيلي، وأخيراً معبر الكرامة الفلسطيني.
على الحدود شاهدت جنود الاحتلال مدججين بالسلاح يفتشون الفلسطينيين ويستجوبونهم؛ لا يشبه المشهد أمن المطارات ولطفهم، كانوا قوة احتلال تمارس السيطرة. استغرق السفر مسافةً لا تزيد عن نصف ساعة، أكثر من نصف يوم، إلى أن وصلنا إلى أريحا؛ أقدم مدينة مأهولة في العالم، 10,000 عام من الحضارة، لكنها بدت صحراء حارة وقاحلة؛ إذ فقدت الكثير من خضرتها جرّاء تجريف الاحتلال ومصادرة أراضيها. كانت فلسطين في ذاكرة أبي تملؤها بساتين الليمون والبرتقال والزيتون، وقريبة إلى الساحل الذي تم احتلال معظمه.
في الطريق إلى رام الله، شاهدت منحدرات أريحا القاحلة، صرخت "الطفلة" تسأل عن "فلسطين الحقيقية"، قالوا: "هذه فقط أريحا"، وضحكوا.
ونحن ندخل رام الله، لفتتني الجدران المملوءة بكتابات ورسومات عن تاريخ الانتفاضة ودعوات للحرية، وأسماء الشهداء وصورهم، وصلنا وقد أُعلن الإضراب العام ضد الاحتلال، ووسط استقبال صامت مكثنا في بيت عمي لمدة أسبوعين، فيما يشبه ترحيبات عملية السلام!
أنهت أوسلو الانتفاضة واستمر الاحتلال، توسعت المستوطنات، وبُني جدار الضم والتوسع العنصري. اندمجت مع هذا الواقع وشاركت في جنازات الشهداء، والمظاهرات السلمية. لم أرَ بساتين عنّابة كما هي في حكايات أبي، فقد كانت العودة مجتزأة، وعلى الرغم من اعتراف القيادة الفلسطينية بدولة إسرائيل على أراضينا، وقبولنا العودة إلى الأراضي المحتلة سنة 1967، فإن الاحتلال لم يكتفِ بذلك، وبقينا مهدَدين.
كنت أكبُر وتنمو بداخلي ملَكة الكتابة مستلهمة أثر البحر المتوسط الذي يصل تونس بوطني، أرسلت عبره رسائل حب وشوق إلى الوطن. لكنني بعد عودتي، فقدت هذا البحر، ومع حلول سنة 2000 منع الاحتلال زيارة ساحلنا المحتل منذ سنة النكبة، أمّا غزة؛ فهو الساحل الوحيد المتبقّي لنا، وأصبحت زيارتها حلماً مستحيلاً للفلسطينيين.
معاقَبون على بقائنا أحياء ..
إلى جانب كل انتهاكات الاحتلال، فقد عشنا تحت ضغوط مالية؛ عقوبات، ووقف مساعدات، وقيود تعسفية من دول العالم المتحضر! كنا مهددين دائماً بحجج غير منطقية، ومتّهمين بالمقاومة على الرغم من أنها حق قانوني. اندلعت الانتفاضة الثانية (2000-2005)، وأعادت إسرائيل احتلال الضفة وقصفها، ووصلت دباباتها قلب المدن الفلسطينية، وفرضت منع التجوال. فقد دمّر الاحتلال قطاع غزة تحت 7 حروب وحصار طويل وصولاً إلى الإبادة الحالية.
بدأت مباحثات كامب ديفد والتي فشلت، حينها كنت أدرس في جامعة بيرزيت، أنطلق إلى مرحلة جديدة أكثر حرية من قيود المدرسة والزي المدرسي، لكن الاحتلال نصب حاجزاً بين رام الله وبيرزيت حيث جامعتي، ولم أستطع حتى انتعال الكعب العالي أو المحافظة على شكلي وأنا أسير يومياً كيلومترين على الحاجز تحت المطر والشمس الحارقة. أردد يومياً ما في جعبتي من أسئلة عن سبب وجود الحاجز في منطقة لا تفضي إلى مستوطنة!
وفي أحد أيام الانتظار على الحاجز ريثما يفتح، أُصبت برصاص مطاطي، لحسن الحظ لم تخترق الرصاصة رأسي لأنها أُطلقت من مسافة، نُقلت إلى المشفى وقام الأطباء بخياطة الجرح والسيطرة على النزيف.
وهكذا، لم يتوقف الاحتلال عن التسبب بالنزيف، بل والاستنزاف أيضاً لكل معالم الحياة الفلسطينية، واخترع نمطاً جديداً كسياسة حجز أموال المقاصة المستحقة للسلطة الفلسطينية بالمليارات وذلك منذ 5 سنوات، ودمّر معظم قطاع غزة، وخنق الضفة بخطط الضم؛ إذ نعيش تحت عقاب جماعي دائم ليس لسبب سوى بقائنا أحياء.
استمرت الحياة بقسوة لامتناهية، ينطلق منا جيل بمستقبل مجهول وأكثر ظلمة مما عشناه، بينما يبتكر الاحتلال حروباً جديدة واتفاقيات تحقق أهدافه الاستعمارية، ثم ينقض كل شيء وبدعم الغرب، ونحن في دوامة مستمرة.



