الكاتبة : سهير سلامة
ليست حادثة الإسراء والمعراج مجرد انتقال خارق من مكان إلى مكان، ولا رحلة سماوية تروى لإثبات المعجزة فحسب، بل هي نص مفتوح على المعنى، يحمل من الرمزية والعمق، ما يجعلها من أكثر الوقائع الدينية ثراء على المستوى الإنساني.
أولا.. التوقيت، حين تضيق الأرض، تتسع السماء.. جاءت حادثة الإسراء والمعراج في لحظة إنسانية شديدة القسوة في حياة النبي ﷺ، عام الحزن، فقد السند، تكذيب الناس، وانسداد الأفق الأرضي، يبدو الحدث وكأنه كسر درامي في مسار الألم،
عندما تغلق الأرض أبوابها، لا يكون الحل أرضيا، وانما سماويا.
المغزى هنا ليس الهروب من الواقع، بل الإشارة إلى أن القوة الروحية، لا تولد في أوقات الانتصار، بل في ذروة الانكسار.
ثانيا: الإسراء… من مكان مقدس إلى مكان مقدس، الانتقال من المسجد الحرام، إلى المسجد الأقصى، ليس تفصيلا جغرافيا، بل ربط رمزي بين الرسالات والتاريخ والقداسة.
فالمسجد الحرام كان البداية، والمسجد الأقصى، الامتداد، والرحلة بينهما هي رحلة المعنى لا المسافة، وكأنه يراد القول، الدين ليس قطيعة، بل سلسلة نور واحدة.
ثالثا، المعراج، صعود الجسد أم المعنى؟ المعراج، بصورته السماوية، يقرأ دينيا كمعجزة، لكن أدبيا هو صعود المعنى الإنساني إلى أقصى طاقته.
في كل سماء، لقاء بنبي، اعتراف بالرسالة، تثبيتا للهوية، وهنا يتجلى مغزى عميق، وهو ان الإنسان لا يرتقي وحده، بل يحمل معه تاريخ من سبقوه.
رابعا، الصلاة لماذا كانت الهدية؟
من بين كل ما يمكن أن يفرض أو يمنح، كانت الصلاة، هي ليست تشريعا ثقيلا، بل صلة، ليست أمرا إداريا، بل موعدا يوميا مع السماء.أدبيا، الصلاة هي، المعراج اليومي للإنسان العادي، تذكير بأن الروح لا تعيش بالخبز وحده، مقاومة صامتة ضد السقوط الكامل في الأرض.
خامسا، بين التصديق والتكذيب
انقسم الناس بعد الحادثة، منهم من كذب، ومنهم من صدق، دون دليل مادي.وهنا يظهر البعد الإنساني الأعمق، الإيمان ليس مسألة برهان فقط، بل موقف داخلي من الوجود.
رحلة الإسراء والمعراج، كشفت الناس أكثر مما شرحت الحدث.
ولكنها لماذا ما زالت هذه الرحلة حية؟ لأنها لا تروى كذكرى، بل تستعاد كسؤال: ماذا نفعل حين يشتد الحزن؟
إلى أين يتجه الإنسان عندما تغلق الطرق؟
كيف يظل المعنى حيا وسط القسوة؟
الإسراء والمعراج تقول لنا، بلغة دينية وأدبية معا، ان ليس كل صعود هروبا، وليس كل معجزة خرقا للعقل، بل أحيانا… إنقاذا للروح.
إنها نص رمزي كثيف، كتب بلغة السماء، ليقرأ في أوقات الاختناق الأرضي، حيث يعجز الواقع عن تقديم عزاء، ويتراجع المنطق أمام ثقل الألم،
وقعت الرحلة ليلا، والليل في اللغة الرمزية ليس غياب الضوء، بل لحظة الصدق، في الليل تسقط الأقنعة، ويعلو الصوت الداخلي، ويعاد ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه.
أن يسرى بالنبي ليلا، فذلك إعلان صريح، ان التحولات الكبرى لا تحدث في وضح الانتصار، بل في عتمة الانكسار، الليل هنا ليس زمنا، بل حالة روحية، من الجرح إلى الذاكرة،
جاء الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى برحلة أفقية، والافق هنا رمزا للاتساع بعد الاختناق.
من مركز الألم إلى مركز التاريخ
من الحاضر المثقل إلى الذاكرة المقدسة، وكأنه يراد هنا القول، انه لا يمكن للرسالة أن تصعد، قبل أن تتصالح مع جذورها، والبراق هو الجسر بين الممكن والمستحيل، البراق ليس دابة نقل فقط، بل استعارة للحظة التي يسبق فيها الإيمان العقل، هو تلك القفزة التي لا يملك الإنسان تفسيرها، لكنه يملك الشجاعة ليخوضها.
المعراج ليس حركة عمودية في المكان فقط، بل ارتقاء في المعنى. في كل سماء لقاء، وفي كل لقاء اعتراف، وكأن الصعود لا يكتمل إلا بالانتماء.
والسماء بلا تاريخ فراغ، لذلك، لم يصعد النبي وحده، بل صعد محملا برسالات من سبقوه.
سدرة المنتهى ليست مكانا، بل نقطة يتوقف عندها الوصف.
هناك، تفقد اللغة قدرتها، ويتراجع العقل خطوة احتراما للغيب.
المسافة الأخيرة بين المعرفة والتسليم، بين الفهم والسكوت المهيب.
لم يكن الامتحان في الرحلة، بل بعدها، في قدرة الإنسان على تصديق ما لا يخضع للمألوف.
الإسراء والمعراج لم تكشف السماء فحسب، بل كشفت الناس ايضا.



