الكاتب : عيسى قراقع
كل يوم، وكل ساعة، بل وكل لحظة، تطل علينا اخبار عاجلة،اخبار لها اسنان حادة تقرضنا وتدمينا وتطحننا في نصوصها الصاخبة.
اتصفح الصحف اليومية والمواقع الإعلامية لأجد أننا سكان الأراضي المحتلة من رفح حتى جنين تحولنا إلى أخبار عاجلة: مداهمات واعتقالات جماعية، اعدامات ميدانية، اعتداءات مستمرة للمستوطنين على القرى والمزارعين ونهب الممتلكات، قصف وغارات وهدم منازل وتجريف اراضي وبناء وحدات استيطانية، اغلاق حواجز وطرق وتركيب بوابات حديدية، رضيع يتجمد من البرد في غزة، اسرى يستشهدون تعذيبا وجوعا واغتصابا في سجون الخزائن الحجرية، اقتحامات للاماكن الدينية وتجريف مخيمات اللاجئين وهدم مقار الاونروا، إذلال متراكم ووقف المساعدات الغذائية في غزة، عناوين قصيرة متفرقة تبدو صغيرة ومنفردة، لكنها حين تجمع لا تشكل أخبارا، بل خريطة حرب كاملة.
هذه ليست حربا بالمعنى التقليدي، لا اعلان رسمي ولا ساعة صفر، لا صفارة انذار ولا بيان عسكري، ليست معركة فاصلة تنقل على الشاشات، أنها حرب من نوع اخر: حرب الاستنزاف اليومي، إنهاك المجتمع وتحطيمه ببطء وجعل الحياة مكلفة، الإبادة بالتقسيط، بحيث يتحول القهر والقمع من حدث استثنائي إلى ايقاع منتظم، ومن صدمة إلى عادة، ومن جريمة إلى خبر.
اخبار عاجلة، حرب شاملة تفكك إلى اخبار، وتجزأ كي لا ترى، فالعالم لا يرى الحرب الا حين تكون ذات ضجيج وأصوات عالية، أنه احتلال يمارس عنفا بنيويا مستمرا ضد الشعب الفلسطيني جغرافيا ونفسيا وجسديا وثقافيا، الفناء بالتدريج، وكأنه يقول لنا: ستموتون لكن ليس دفعة واحدة، ستنقرضون خبرا بعد خبر، صورة بعد صورة، حتى تصبحوا قادرين على العيش داخل الموت دون أن تصرخوا.
نعيش زمن الاخبار العاجلة، لم تعد الجريدة نافذة على العالم، صارت نعشا مفتوحا، كل خبر عاجل هو تمرين يومي على الموت، قتل هنا، قصف هناك، عائلة مسحت من الوجود، خيام غرقت في المياه، لا أدوية ولا وقود ولا غذاء، تتغير العناوين وتنتشر في كافة الاتجاهات، لكن النبرة واحدة والحبر اسود، نعي بلا اسم، وجثث اختفت تحت الانقاض، جنازة بلا مشيعين وقيامة لا تأتي.
نقرأ ثم نقرا، لا لنفهم، بل لنتعود، فالاعتياد هو أخطر أشكال الهزيمة، العجز، الصمت، الشلل، تفقد الصدمة قدرتها على الصراخ، يتحول الموت إلى روتين، والكارثة إلى رقم، والإنسان إلى خبر، كأننا نعيش في مختبرات صياغة الشعوب التي مارسته الدول الاستعمارية في الجزائر وفيتنام وجنوب أفريقيا سابقا وفي المحميات الامريكية، حيث لا يطلب منك أن تنكر الظلم وانما أن تراه كل يوم دون أن تتحول رؤيتك إلى قوة سياسية، يسمح لك بالغضب اللفظي، بالحزن الرقمي، بالاستنكار المعلب، لكن يحظر عليك أن تتجاوز اللغة إلى المعنى والفعل، أو أن توقظ الذاكرة.
اخبار عاجلة، هنا في البيت والدماغ، في الشارع والمدرسة، في الكتابة والتفكير، الاخبار تطاردنا ونحن مادتها، اصبحنا جماعات الاخبار العاجلة، محللين، منتظرين معلقين، أنه القتل الإداري، أن تدار حياتك في لولب الاخبار الحديدية، وبطريقة تجعل الموت نتيجة منطقية لا جريمة، والاحتلال لا يريدك ميتا فقط، ولا حيا فقط، يريدك معلقا، تنتظر إعادة الإعمار في غزة، تنتظر الراتب اخر الشهر، تنتظر المرور عن عن هذا الحاجز أو ذاك، تنتظر الحل السياسي، تنتظر المجتمع الدولي، تنتظر الله، بينما الزمن يعمل ضدك.
اخبار عاجلة تفتت الجريمة إلى تفاصيل صغيرة، تحويل الإبادة إلى ارقام، والجريدة الى ارشيف للخراب، والإنسان إلى كتلة باردة مصهورة الوعي بلا ارادة، فالناس ليسوا غائبين جسديا، هم في بيوتهم، في هواتفهم، لكنهم على مستوى التاريخ معطلون ومجمدون، أنه العيش المؤجل، أن يسمح لك بالبقاء لكن لا يسمح لك بالحياة .
اخبار عاجلة، كل القيادات والتنظيمات والإعلاميين والمفكرين يستهلكون الاخبار، يناقشون ويحللون ويديرون الاخبار والإدراك كشهود محترفين، يشاركون في إدارة الأزمة الوجودية، خطابات بلا مشىروع اخلاقي تحرري، بيانات بلا فعل، وسياسة تكيف الناس مع الواقع بدل أن تغيره، البيان لم يعد وسيلة للتعبئة، بل صار بديلا لغويا عن العمل وتعويضا نفسيا عن العجز، نشارك الخبر كي تقنع أنفسنا أننا ما زلنا احياء، نكتب ونكتب، ما اثقل الاخبار كأنها قنابل، الدبابة أمام البيت، وعي غائب وقيادة غائبة واخبار عاجلة.



