الكاتب : د بسام سعيد
وأخيرًا، بعد طول انتظار وترقّب، دخلت إلى بيوتنا “جرة الغاز”، أو كما ندلّلها في غزة: أنبوبة الحياة. عامٌ كاملٌ مرّ علينا بلا غاز، عامٌ ثقيل كالصخر، عشنا فيه على البدائل، واخترعنا فيه ما يشبه المعجزات الصغيرة لنملأ فراغ النار.
أن تعيش عامًا بلا أنبوبة غاز يعني أن تتحوّل من إنسان مدني إلى كائن بدائي يبحث عن الدفء واللهب كما كان يفعل أسلافنا الأوائل. عدنا إلى الوراء، لا لأننا نحب الماضي، بل لأن الحاضر أغلق كل الأبواب.
آخر مرة استلمتُ فيها أنبوبتي كانت في مطلع شهر رمضان الماضى ، ومنذ ذلك الحين عشنا أيامه ولياليه بلا غاز؛ تخيل ان تعيش رمضان بلا غاز للطهى ، تخيل فقط !
من لم يكن لديه مصدر للحصول على الحطب، اضطر إلى الشراء من السوق ، سوق خاص اسمه سوق الحطب. هناك لا تُباع قطع الأشجار فقط، بل تُباع الذكريات أيضًا: بقايا أبواب، شبابيك، قطع أثاث، كلّها كانت يومًا جزءًا من بيوتٍ عامرة، ثم تحوّلت إلى وقود. وربما تكون قطع الخشب بقايا سريرك الذي كنت تنام وتحلم عليه قبل أن تضيع الأحلام وتتبخّر، أو بقايا مقاعد كنت تجلس عليها وتتسامر مع أصدقائك. لا تستغرب إن اشتريت باب غرفتك التي كنت تنام فيها لتشعل به النار وتطبخ عليه طعامك؛ فهذا منطق المرحلة، وقانون القهر.
وإن لم تجد حطبًا، فابحث عن الجِفْت، بقايا الزيتون بعد عصره في المعاصر، أو عن نشارة الخشب عند النجارين، تلك التي صارت كنزًا يُحسدون عليه. أمّا الغاز، فيمكنك أن تشتريه “بالمفرّق” بالكيلو من السوق السوداء، فى أيامنا السوداء التى نعيش ، حيث يصل سعر الكيلو الواحد إلى ثلاثين دولارًا، بعدما كانت الأنبوبة الكاملة _وزنها اثنا عشر كيلوغرامًا _ لا تتجاوز ستة دولارات. أيّ مفارقة هذه!
وأن تعيش بلا أنبوبة غاز، يعني أيضًا أن تبحث في بيتك _ إن بقي لك بيت _ عن ركن آمن لإشعال النار. وإن كنت في خيمة، فعليك أن توقدها بعناية ، وبحذرٍ شديد.
قال لي صديق مرة: “هذه الحرب علّمتنا أشياء كثيرة، ومنها كيف نشعل النار. صارت النار زادنا اليومي، ومهارة لا غنى عنها ، واصبحت رائحة دخان النار لاتفارق ملابسنا !”
في أيام “العز”، كنا نشعل النار للترف: لحفل شواء أو لإعداد فنجان قهوة في رحلة، أمّا اليوم فالنار ضرورة، والدخان رفيق، ورائحة الحطب جزء من هوائنا !
ماعلينا ؛ لنعود إلى أنبوبة الغاز، تلك العروس المنتظَرة. طريقها إلينا ليس سهلًا. هناك “سيستم”، كما يقولون. تبدأ الحكاية برسالة تطلب منك تسليم أنبوبتك الفارغة للموزّع المعتمد، ثم تنتظر… خمسة أيام وربما أكثر، لتصلك رسالة أخرى: “تعال استلم أنبوبتك، وزنها ثمانية كيلو.”
وهنا تبدأ الشكوك: هل هي فعلًا ثمانية؟ أم أن شيئًا ما تسرّب في الطريق هكذا يقول العارفون ؟ لكن لا أحد يجادل كثيرًا ؛ فبعد عام من الحرمان تبقى النتيجة هى الاهم والمهم أنك حصلت علي الغاز .
ومن شدّة فرح البعض بهذا الانجاز، هناك من يقيم لوصول أنبوبة الغاز زفّة! نعم، زفّة كاملة، على طريقة فدعوس ، وفدعوس اسم مشهور فى غزة لفرقة فنية تخصصت في زفّ العرسان حين كانت غزة تعيش أيام “اللولو”.
أنبوبة الغاز اليوم ليست مجرد أداة طبخ؛ إنها رمز نجاة، وشاهد على صبر، وقطعة دفء في زمن القسوة والحرمان والتوهان !
* أكاديمي وباحث



