الكاتبة : عائشة مشهور صنوبر
من داخل غرفنا الصفية في مدارس الذكور، لم يعد "الفاقد التعليمي" مجرد مصطلح أكاديمي ننمّقه في التقارير السنوية؛ إنه "وجع" نلمسه يومياً في عيون طلابنا الذين تشتتوا بين ضغوط الواقع وهشاشة المتابعة. كمعلمة أقف في خط المواجهة الأول، أرفض تماماً أن يُنظر لهذا الفقد كقدرٍ محتوم تفرضه علينا الأزمات السياسية أو تقليص الدوام، وأرفض أكثر أن تتحول جراحنا الفلسطينية إلى "شماعة مريحة" نعلّق عليها تقاعسنا عن دورنا الحقيقي.
الجودة لا تقاس بالساعات.. بل بالإرادة
إننا نخطئ حين نحصر جودة التعليم بعدد ساعات الدوام؛ فالجودة في جوهرها هي "قدرة" لا "زمن". الفاقد الحقيقي ليس في الدروس التي لم تُشرح، بل في "شغف التعلّم" الذي انطفأ في قلوب أبنائنا. الظروف القاسية التي نعيشها في فلسطين يجب ألا تكون مبرراً للتراجع، بل هي "المخاض" الذي يجب أن يولّد إنساناً أصلب عوداً. إن الجودة تُصنع حين نقرر أن نستغل كل دقيقة متاحة لنبني "المناعة التعليمية" التي تحمي الطالب من الانهيار أمام أي أزمة.
غياب "الحصن": أين دور الأب في مدارس الذكور؟
بكل صراحة ومكاشفة، نلمس اليوم "استقالة تربوية" مخيفة من قبل الأهالي، وتحديداً في مدارس الذكور. لقد استُبدل دور الأب المتابع بدوره كممولٍ فقط، وكأن المدرسة مجرد "مكان للإيواء" لبضع ساعات. هذا الانسحاب الأسري فتح الباب على مصراعيه لـ "الشارع الرقمي" ليختطف عقول أبنائنا؛ فالهواتف الذكية التي تُركت في أيدي الطلاب بلا توجيه، قتلت فيهم مهارات التركيز وحولتهم إلى مستهلكين لمحتوى سطحي لا يغني ولا يسمن من جوع.
هندسة الأمل.. تجربة "مختبر القراءة الرقمي"
لأنني أؤمن أن "هندسة التعليم" تبدأ من ابتكار الحلول لا الندب على الأطلال، لم أقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الضياع الرقمي. ومن هنا انطلقت مبادرتنا "مختبر القراءة الرقمي المنهجي"؛ فنحن لم نحارب التكنولوجيا، بل طوّعناها. استخدمنا أدوات العصر (الذكاء الاصطناعي) لنحول نصوص العلم الجافة إلى قصص رقمية نابضة بالحياة، فأعدنا للطالب دوره كمنتج للمعلومة وشريك في البناء. هذه التجربة أثبتت لي أن الطالب الفلسطيني يمتلك "طاقة هائلة" إذا وجد معلماً يؤمن به وأهلاً يشدون على يده.
كلمة من القلب
إن الفاقد التعليمي هو خلل في "الإرادة" قبل أن يكون خللاً في "الإدارة". الظروف الصعبة هي التي خلقت العباقرة والقادة في تاريخنا، واليوم نحن مطالبون بتحويل الأزمات إلى منصة انطلاق. التعليم استثمار في أغلى ما نملك، وهذا الاستثمار لن ينجح إلا بـ "صحوة أسرية" تعيد الاعتبار للمعلم، وإرادة تربوية تجعل من جودة المخرجات هدفاً لا يقبل التنازل مهما ضاق الوقت أو تعقدت الظروف.



