الكاتبة : سهير سلامة
في السابع من كانون الثاني، من كل عام، تتوقف الأرض عن نبضها لحظة، وتسمع السماء همسات آلاف الأرواح التي ارتقت لتبقى فلسطين حية في القلب والذاكرة.
يوم الشهيد في فلسطين ليس ذكرى عابرة، بل هو موعد مع الحقيقة المؤلمة التي لا تمحى، حقيقة شعبٍ، قاوم وصمد في وجه الاحتلال، رغم كل الجراحات، والدماء، الا انه لا زال ينبض ويخفق لتراب الأرض الذي رواه دما.
شعبنا الفلسطيني، ومنذ نكبة العام 1948، وحتى يومنا هذا، فقد أكثر من 136,000 شهيد على يد قوات الاحتلال داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي الشتات، حسب إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، هذه الأرقام ليست مجرد أعداد جافة، ولا ارقام ملقاة على عتبة التاريخ، بل هي وجوه، وأسماء، ودموع وآمال، قطعت في مهدها.
هذه الأرقام تتجدد مع استمرار الاعتداءات، ومع ما يمضي، ومع كل ثانية على هذه الأرض الحنونه، إنها أرقام تتكلم بلغة الألم والحياة معا.
أطفال لم يروا غدا… نساء حرمن من دفء الحياة… وشباب لم تكتمل أحلامهم…
يوم الشهيد، ليس يوما يقرأ، بل يوما يحس، تتجلى فيه معنى التضحية الشاملة، وهؤلاء الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم، سطروا أسمى معاني الوفاء للوطن. فكل رقم في الإحصاءات هو إنسان كان له اسم، وعائلة وشارع ومدينة ينتمي لها، وتاريخ لا ينسى، وكلا منهم كان له حلم، وواقع يعاش بالأمل والانتظار.
في يوم الشهيد، تصمت الكلمات احتراما، وتنحني الحروف إجلالا لأرواحٍ مرت من هنا، كتبت تاريخ الوطن بمداد من دم طاهر، هو يوم لا يشبه سواه، لأن الزمن فيه يتوقف عند لحظة الفداء، وتعلو فيه قيمة الإنسان حين يهب روحه ليحيا الوطن.
الشهيد لم يكن عابرا في دروب الحياة، بل كان نورا اختار أن يحترق ليضيء للآخرين طريق الكرامة، والحرية، خرج من دفء الحلم إلى قسوة الواقع، ومن حب الحياة إلى عظمة التضحية، فصار اسمه منقوشا في ذاكرة الأرض، وصوته صدى لا يخفت في ضمير الوطن.
في هذا اليوم، تتكلم الأرض التي احتضنت الأجساد الطاهرة، وتبكي السماء فخرا، وتزهر القلوب وفاءا.
فدم الشهيد لم يكن نهاية، بل بداية لحياة أكثر نقاءا، وبذرة أمل نبتت حرية وأمانا، فمع كل قطرة دم سالت تعلمنا منها أن الوطن ليس ترابا فحسب، بل كرامة لا تشترى، ورسالة لا تموت.
يأتي هذا اليوم ليوقظ فينا معنى الانتماء، ويعلمنا أن الوفاء لا يكون بالدموع وحدها، بل أن نحيا كما أرادوا لنا ان نكون، صادقين، أوفياء، عاملين من أجل وطن يستحق الحياة.
الشهيد لم يكن يوما محبا للموت، بل كان عاشقا للحياة، وليست اية حياة، بل حياة كريمة حرة، فمن دمائهم رسمت حدود الاوطان، سيبقى عهدهم، عهدا متجددا، أن نبقى حراس الحلم، وأمناء على التضحية، وحافظين لتراب الأرض ولحقول الياسمين الابيض، ولمروج الزعتر والزيتون والزئبق، فدماءهم، النبراس الذي يضيء طريق الأجيال القادمة في الحفاظ على حق العودة، والحرية، والكرامة.
* مراسلة "واثق نيوز" في محافظات الوطن



