الكاتب : عبد الهادي بركة
ما أشد عزمكم يا أهل غزة، وما أقوى إرادة طلابها. ...
حقيقة آن للعالم ان يدرك مدى قدرة هذا الشعب على مواصلة دروب الحياة والتغلب على تحدياتها القاسية، فمن رحم هذه المعاناة، ولد الاصرار على مواصلة الطريق وتحمل قساوة المعيشة، ومع صوت ازيز الطائرات وانفجارات القنابل كان طلاب غزة يحضنون الكتاب بين احضانهم مخافة ان لا يعيشون لحظة من حلم فرحة النجاح، ومع ذلك كثيرا من تفوق وارتقى الى العلا شهيدا مفارقا الحياة وقسوتها، وكثيرة هي العذابات التي تعرض لها طلاب غزة من جراح متنوعة في الجسد ومتعددة في الفقد للاسرى او الاخوة في مرحلة حرجة كما كان يراها آبائهم وذويهم اذ جرت العادة قبل ان تأتي الحرب على غزة ان يكون الاهتمام بالطالب والطالبة في المرحلة الثانوية عالية وتكون أسرهم على اهبة الإستعداد منذ اليوم الأول ويجري تهيئة الظروف المنزلية من تجهيز مكان ومكتب مخصصين ومجهزين على أكمل وجه بحيث تكون الفرحة في آخر السنة الدراسية على قدر المتاعب .... كما قالت العرب المغانم على قدر المغارم.
لكن الظروف اختلفت كثيرا في السنتين الاخيرتين فبين نزوح مستمر، ونصب الخيام في مكان غير مستقر، كان واقع أبناء الثانوية في غزة أمام خيارات جميعها مر . ان هو نجح في الدراسة لا يعرف كيف سيكمل مرحلته الجامعية، وقد قصفت جميع الجامعات ومراكز التعليم والصحة، وان هو رسب فهذا يعني ان الظروف كانت أقوى منه بكثير، وربما كانت نجاته من الموت بالنسبة له نجاح .
حين كانت صورة النجاح متلازمة لصورة الدخان الذي يطوق سماء غزة، كانت النظرة للكتب المدرسية كوسيلة للمعرفة، نظرة تحمل الغصة والألم في آن واحد، وبينما كانت المجاعة وشح الطعام والشراب كان طلاب الثانوية يقضون وقتهم بالوقوف على طابور المياه الذي يبدأ أول ساعات المعاناة اليومية، يليه الوقوف على طابور التكية، تلك هي اكثر الاهتمامات التي يؤمنها قبل ان يخلد الى كتاب يطالعه الى ان تهدأ أصوات المدافع، محظوظ من لم يتم استهداف خيمته، اما اذا كانت الام تريد ان تطهو الطعام بنفسها ولم يتنوع الطعام في زمن الحرب ويخرج عن الطبقين الرئيسين 'الأرز والمعكرونة' ولا وسيلة لاشعال النار امامها الا اغلفة الكتب وربما او احدى المجلات القديمة التي عثر عليها اثناء البحث عن اعواد الحطب التي اندثرت لكثر استخدامها طوال الحرب ... اذن ليس امام الام الا اغلفة الكتب حيث تخلعه من الكتاب او المجلات التي وقعت في يديها لتوقد به النار لطهي الطعام، وهي الأخيرة مدركة خطورة ما تفعل وربما قرأته بينما تعد واجبها الأخيرة، ثم تقول معزية نفسها، العلم في رأس، ليس في الكراس .......
على واقع هذه الحال قليل من آثروا المحافظة على الكتاب والقلم واعتبروه أسلوب نضال للبقاء، ومواصلة طريق النجاح والمعرفة لمواجهة آلة الحرب والدمار الإسرائيلية، نعم هذه الاستمرارية التي نبحث عنها وصولًا لاهدافنا الوطنية واعلانا للحرية المرتقبة....
اليوم ابناء الثانوية العامة في غزة المدمرة نجحوا بإرادة صلبة، وعزيمة قل ما تجدها في طلاب شعوبا أخرى، حيث كانت المحافظة على الكتب التي ربما تحدثت عن ذاتها وهي تتعرض للمحرقة، كيف لا وقد طالتها هبة النار عندما عمدت آلة الحرب والدمار الإسرائيلية على اغتيال كل ما له علاقة بالبنية التعليمية والثقافية والحضارية، كعادتها في محاولتها لطمس الحقيقة. فلم تسلم المكتبات المركزية التي كانت تشع نوراً ومعرفة من بين كتبها التي ابهرت العالم من حجم الكتاب والمفكرين، والمبدعين الذين ساهموا في بناء الحضارة العربية والإسلامية. وبثوا أفكارهم الموضوعية في نظم الرواية الفلسطينية لتكون امام مرأى، ومسمع العالم ليحكم بنفسه عن الاحقية في الوجود على هذه الأرض .
اليوم وكنتيجة لهذه الظروف الصعبة نجح في غزة ابناء الثانوية العامة ' التوجيهي ' ، فتلك معجزة فهنيئا لمن نجحوا وقلبي مع من لم يحالفهم الحظ لأن ظروفهم كانت أصعب من أن ننجح جميعاً، وهنيئا انهم لم يرحلوا عن الحياة وان كان الممات هنا سلامة كما يقول درويش .



