الكاتب : إياد أبو روك
نحن نعيش اليوم في واحدة من أكثر المراحل قسوة في التاريخ الفلسطيني الحديث .. مرحلة لم تعد الحرب وحدها هي التي تقتلنا بل غياب الرحمة بيننا وانهيار الثقة وضياع البوصلة الأخلاقية والإنسانية التي كانت تجمعنا ذات يوم في زمن نحن فيه بأمس الحاجة إلى المودة والتواصل والاحتضان.. اخترنا أن نمارس القسوة وأن نحاكم بعضنا على نياتنا وأن نحمل بعضنا أوجاعا لم نخلقها بأيدينا .. أصبحنا متعبين من الداخل مرهقين من فرط الألم تائهين بين ما نؤمن به وما نعيشه فعلا .
لقد مررنا جميعا بامتحانات مصيرية كشفت معدن كل واحد فينا .. امتحانات في الإيمان في الثبات في الشرف الإنساني. منا من صمد ومنا من انهار ومنا من وقف مترددا بين الخوف والرجاء .. امتحانات الخذلان كانت الأقسى لأن الخذلان لا يأتي من بعيد بل من داخل الدائرة التي وثقت بها . وحين يخذلك القريب تتشقق في داخلك كل معاني الأمان وتبدأ تفقد الإيمان بأن الخير ما زال ممكنا . الحرب تدمر الجسد لكن الخذلان يدمر الروح وما بين الحرب والخذلان أصبحت أرواحنا معلقة في منتصف الطريق لا تعرف العودة ولا المضي .
لقد أوصلتنا هذه الحرب إلى حالة من الإنهاك النفسي والفراغ الروحي جعلتنا نفقد الإحساس بأنفسنا لم نعد نعرف كيف نحب ولا كيف نغفر ولا حتى كيف نغضب بشكل نبيل. تحولت ردود أفعالنا إلى صرخات عشوائية نطلقها في وجه بعضنا البعض وكأننا نحاسب أنفسنا في مرايا الآخرين. أصبحنا أكثر ميلا إلى القسوة وأكثر استعدادا للاتهام وأقل ميلا للفهم أو التعاطف .. ما كان في الماضي يجمعنا من حب ومودة صار اليوم يفصلنا وما كان يربطنا بالأمل صار يثقلنا بالخذلان .
وهنا يطرح السؤال الصعب ! من يستطيع اليوم أن يعيد لنا هذا التوازن . من يعيد لنا ثقتنا بأنفسنا بعدما أصبحت مهزوزة إلى هذا الحد . من يرمم هذا الكسر الداخلي الذي أصاب الإنسان الفلسطيني من الداخل ؟ أنا أقولها بصراحة وهذه ليست أقوالي وحدي بل هي أقوال الشارع الفلسطيني حديث الناس في المقاهي والبيوت في طوابير المخابز والمستشفيات والخيام .. الناس لا تتحدث فقط عن الحرب بل عن ما هو أعمق وأوجع عن فقدان الإيمان بالآخر عن انعدام الثقة عن الإحساس بالعجز الذي جعلنا غرباء عن أنفسنا وعن واقعنا .
الشارع الفلسطيني اليوم لا يسأل فقط متى تنتهي ماساة البيوت المدمرة بل يسأل متى نعود نحن كما كنا. هل ما زال فينا ما يستحق الحياة كيف يمكن لشعب أن ينهض وهو يجلد نفسه كل يوم هذه الأسئلة لا تبحث عن إجابات سياسية بل عن خلاص إنساني لم تعد القضية في من يحكم ومن يقرر بل في من يقدر أن يرمم هذا الخراب الداخلي الذي ينخر فينا بصمت فحتى إن انتهت الحرب الميدانية هناك حرب أخرى تدور داخلنا حرب أخلاقية ونفسية وفكرية لا تقل ضراوة
لقد تحولت المأساة من قصف خارجي إلى صراع داخلي بين ما نريده أن نكونه وما أجبرنا عليه الواقع . نعيش حالة من فقدان التوازن الوجودي لا نعرف أين نقف ولا من نصدق ولا إلى من ننتمي حتى الأمل أصبح مرهقا لسوء الأحوال . والرحمة صارت تهمة والتفاؤل نوعا من السذاجة . ولعل هذا ما يجعل المشهد أكثر إيلاما أن نفقد أنفسنا ونحن نعتقد أننا نحارب من أجلها لكن الحقيقة أن الحروب الطويلة لا تقتل الأوطان بقدر ما تقتل روح الإنسان فيها .
ومع ذلك إذا تأملنا قليلا سنجد أن الجواب موجود فينا رغم كل هذا الخراب . ربما البداية تكون حين نعترف بأننا مكسورون فعلا بأننا لسنا بخير وأن ما نعيشه ليس طبيعيا . هذا الاعتراف لا يضعفنا بل يحررنا من الإنكار ثم أن نفهم أن الاتكالية التي نعيشها ليست تضامنا بل ضعفا متبادلا يجرنا نحو القاع . إن انتظار المنقذ سواء كان سياسيا أو خارجيا لم يعد مجديا لأن الإنقاذ الحقيقي لا يأتي إلا من إعادة بناء الإنسان الفلسطيني من الداخل .. من إعادة الثقة بين الأفراد بين الجار وجاره بين الصديق وصديقه بين الأم وابنها بين الفصائل والشعب بين الكلمة والحقيقة .
المسؤولون الذين يتصدرون المشهد غالبا يعيشون في طبقة معزولة بعيدة عن نبض الشارع الحقيقي لا يسمعون بكاء الليل في البيوت ولا يرون الخوف في عيون الأطفال .. إنهم يتحدثون بلغة الأرقام والبيانات بينما الناس تتحدث بلغة الجوع والخذلان وفقدان الأمل. المأساة هنا مزدوجة مأساة حكم لا يشعر وشعب لم يعد يثق .. بين الطرفين مساحة من الغضب والضياع تزداد اتساعا يوما بعد يوم حتى أصبحت الفوضى هي القاعدة والعقلانية هي الاستثناء .
ورغم كل هذا يبقى السؤال مفتوحا : هل انتهى كل شيء هل انتهى الإنسان فينا !! الجواب لا ما زال فينا ما يستحق أن ينقذ ما زال فينا من يحلم رغم الحطام من يبتسم رغم القهر من يمد يده رغم الخذلان ... هناك من يؤمن أن الرحمة هي المقاومة الأخيرة وأن الحفاظ على إنسانيتنا هو آخر معركة نخوضها لأن من يفقد رحمته يفقد وطنه دون أن يدري .
علينا أن نعيد التفكير في كل شيء في مفهوم النصر في معنى الوطن في جدوى الكراهية في قيمة الصمت. أن نسأل أنفسنا بصدق هل هذا ما أردناه حين حلمنا بالحرية هل صرنا أعداء لأنفسنا أكثر من أعدائنا وهل يمكن أن تقوم لنا حياة دون أن نعيد بناء الثقة والرحمة في داخلنا . الطريق طويل لكنه يبدأ بخطوة واحدة أن ننظر إلى بعضنا لا كضحايا بل كشركاء في الألم أن نفهم أن خلاصنا لا يأتي من الخارج بل من قدرتنا على التماسك الداخلي وأن نعيد للإنسان الفلسطيني إنسانيته قبل أن نعيد له دولته. فمن دون الرحمة لا وطن ومن دون الثقة لا نهضة ومن دون إنسانية لا معنى لكل هذا الصمود .



