رام الله - واثق نيوز- أشهرت مؤسسة محمود درويش، مساء اليوم الاثنين، كتاب «لكل عين مشهد 3: تسميات الأماكن في القطاع الشمالي الغربي لقضاء جنين الانتدابي؛ أبعاد لغوية وجغرافية وتاريخية واجتماعية» للبروفيسور مصطفى كبها، وذلك ضمن سلسلة محاضرات (تاريخ وتراث فلسطين)، في قاعة الجليل بمتحف محمود درويش في رام الله، بحضور عدد من الباحثين والمهتمين.
وافتُتحت الأمسية بكلمة للأستاذ سعد عبد الهادي، قدّم خلالها البروفيسور كبها، مستعرضًا تجربته البحثية وإصداراته، ومؤكدًا أهمية الكتابة في حفظ التاريخ الفلسطيني وصون الذاكرة، مستشهدًا بقول محمود درويش: "من يكتب حكايته يرث أرض الكلام ويملك المعنى تمامًا". كما تناول أهمية الكتاب في توثيق أسماء الأماكن الفلسطينية وما تختزنه من دلالات تاريخية وجغرافية واجتماعية.
وأوضح كبها أن الكتاب يأتي ضمن سلسلة «لكل عين مشهد»، وهي إحدى سلسلتين يعمل على إنجازهما؛ الأولى (جولات في ظلال الذاكرة)، الموجهة إلى القارئ العام، والتي صدر منها ثلاثة أجزاء والرابع قيد الإعداد، فيما تتوجه سلسلة (لكل عين مشهد) إلى القراء والباحثين المتخصصين، وتنطلق من أسماء المكان وتسمياته الطبوغرافية، بهدف ربطها بتاريخ المكان وجغرافيته وتحولاته الاجتماعية.
وأشار إلى أن عنوان السلسلة يحمل تلاعبًا دلاليًا، إذ تحيل عبارة (لكل عين مشهد) إلى المشهد البصري الذي يشكل أحد مصادر تسمية الأماكن الفلسطينية، إلى جانب ما يُسمع في المكان وما يميزه من ظواهر طبيعية أو بشرية.
ويأتي الكتاب الجديد بوصفه الجزء الثالث من السلسلة، بعد كتابي (تسميات الأماكن في القطاع الغربي من لقضاء طولكرم الانتدابي) و«تسميات الأماكن قضاء حيفا الانتدابي»، ويتناول تسميات الأماكن في القطاع الشمالي الغربي لقضاء جنين الانتدابي، ولا سيما المناطق التي أصبحت خارج حدود فلسطين عقب نكبة عام 1948 واتفاقيات رودس.
وخلال الأمسية، استعرض كبها خريطة لقضاء جنين ومدنه وقراه، موضحًا أن القضاء أُنشئ كوحدة إدارية منفصلة في أواخر العهد العثماني، وبلغت مساحته خلال فترة الانتداب البريطاني نحو ألف كيلومتر مربع، وضم نحو 70 قرية. وتناول التحولات التي طرأت عليه عقب النكبة، وما نتج عنها من اقتطاع نحو 300 كيلومتر مربع و12 قرية، كان أكبرها أم الفحم.
وتوقف كبها عند التنوع الجغرافي والطبيعي والنباتي والطبوغرافي الذي يميز منطقة البحث، والتي تمتد عبر أربع وحدات جغرافية رئيسية هي مرج ابن عامر، وجبال فقوعة ومنحدراتها الشمالية الشرقية، وجبال الخطاف والمنحدرات الشمالية لجبال نابلس، والزاوية الجنوبية الشرقية من هضبة بلاد الروحة. وأوضح أن هذا التنوع انعكس على التربة والغطاء النباتي والارتفاعات وكميات الأمطار ولهجات السكان، وكذلك على طرق تسمية الأماكن.
وفي حديثه عن أنماط التسميات الفلسطينية، أوضح كبها أنها لا تقتصر على أسماء مرتبطة بالمظاهر التي تراها العين، بل تشمل أيضًا ما يُسمع في المكان، كأصوات المياه، إضافة إلى التسميات المرتبطة بالظواهر والخصائص الطبيعية ووحدات القياس القديمة والنباتات.
واستعرض أمثلة على أسماء أماكن ارتبطت بالنباتات، من بينها الخبيرة، والسنديانة، والروحانية، ورمانة، وزيتا، موضحًا أن هذه التسميات تختزن دلالات لغوية وتاريخية تكشف جوانب من طبيعة المكان وحياة سكانه. كما تناول أسماء ارتبطت بالمشهد الجغرافي والخصائص الطبيعية، بما يؤكد أن أسماء الأماكن لم تكن اعتباطية، بل نشأت في سياق علاقة الإنسان الفلسطيني ببيئته ومحيطه.
كما تطرق إلى عدد من المعالم الواردة في الكتاب، من بينها مقام الشيخ إبراهيم السعدي الذي اختيرت صورته لغلاف الكتاب، مؤكدًا أن دراسة أسماء الأماكن لا تنفصل عن قراءة التاريخ والجغرافيا وتحولات المجتمع الفلسطيني، وأن الاسم يحمل في كثير من الأحيان أثرًا من ذاكرة المكان وتاريخه.
واختُتمت الأمسية بفتح باب النقاش، حيث طرح الحضور أسئلة ومداخلات حول الكتاب ومنهجية البحث في أسماء الأماكن الفلسطينية، ودورها في حفظ الذاكرة وتعزيز السردية التاريخية للمكان، بما يجعل من دراسة الأسماء مدخلًا إلى فهم أوسع لتاريخ فلسطين وجغرافيتها ومجتمعها.

