آراء

كعكع ع الكلام ... إهداء الى محسن زايد وعمر عبد العزيز

14 مشاهدة
كعكع ع الكلام ... إهداء الى محسن زايد وعمر عبد العزيز

الكاتب : تحسين يقين


"انفض ايديك منو"!
لا عرفت انفض ولا عرفت المقصود؛ فقد كنت طفلا ثم فتى، حتى جاء يوم، ورأيت حركة من ينطقه، حينما لامس باطن يده اليمنى باليسرى، مرتين أو ثلاث، ففهمت رمزية اليأس من هكذا بشر.
جدل في الحياة نفسها، وجدل في الأدب، وهو منها، ولأجلها، وجدلية الحياة والأدب والفن لا تنتهي، لذلك واكب هذا الجدل جدل في الدور، ماذا نكتب ولمن نكتب ولماذا؟ ثمة ما هو مباشر مؤثر، وثمة ما هو غير مباشر وأكثر تأثيرا، لذلك لا يزهد صاحب الرسالة في الأدب والحياة من دوره.
لخصت "حسنة" منظومة الفساد العام، مبررة ما يفعله المخبر بهم، على أكثر من مستوى، فالمخبر (رمز حكومي) يريدهم غير أسوياء أصلاً حتى يستغلهم، لذلك تصف حسنة الحال في الدقيقة 110: "الحكومة مفوتة بمزاجها، احنا معيوبين، احنا مش عدلين، البيوت أونطة الكهرباء والمي بورق مضروب، مفوتة بمزاجها علشان نمشي جنب الحيط احنا غلابة".
يزهد فرحان بمخاطبة المتلوثين والمتورطين في الحوش ومحيطه الأكبر، باعتبار أنه يصعب تغييرهم، لكن بالرغم من ذلك، فإن المتلقي للفيلم لا يجد نفسه زاهدا، بل باحثا عن التغيير، ومشتركا في فعل التغيير.
جاء زهد فرحان بذلك في آخر أغنية "نازل ع المزار"، بعد أن شخّص الحال:
نازل ع المزار اسقي ريحان الحي
واجني من بياضه ريحان وماله زي
وامشي ولا أرقد تحت ضله وضي
وهنا ينظر بعدم رضا تجاه زوجة إسماعيل العاجز بعد أن صار ينتبه خلال إقامته في الحوش:
دنا طرحي بشاير والكل طمعان فيّ
ثم ينظر بشجن تجاه "فتنة" التي تجلت فيها القيم الجميلة والبراءة والجمال والإنسانية:
آه لو ألاقي أم العيون غزلان
راسم ليكي صورة وطالعة بالألوان
دنا فيكي وفيكي آه أنا عطشان
اسقيني عشان كيفي أعيش ولهان
ولأنه عرف أخيراً ماذا يحدث في الحوش، الذي يجمع الخير والشرّ، فإنه ينظر تجاه من ينطبق عليهم المعنى، (الأغبر والطاهر البشوش):
واه أه يا صحبة وجامعة كل وشوش
بوز أغبر وبوز طاهر حلو وبشوش
وأخيراً، يؤكد على أنه حقيقي غير مغشوش، ويصعب عليه البقاء هنا، وكأنه قد فقد الأمل في هؤلاء المغبرين، واختار أن يقف هنا ولا يكمل، بدلالات معنى «كعكع» أي احبس الكلام:
سيبني ياض أدندن أنا مش مغشوش
كعكع ع الكلام واتكيفه في الحوش
بحثت عن "كعكع" التي لم يطرب لها المحامي إسماعيل، الذي ينهي آخر "الأنفاس" من "الجوزة"، حيث يبدو أنه لجأ لها، يأسا من التغيير، فصار عاجزا عن التعبير، فامتد العجز الى الجسد.
في عام 2005، كان محسن زايد كاتب السيناريو قد رحل قبل عامين، فقد توفي عام 2003 عن 59 عاما، في حين كان المخرج عمر عبد العزيز ابن 52، وكل منّا يمكنه موضعة عمره في ذلك العام، أما الذي يسرد عليكم ما يسرده فكان ابن 38 عاما.
-    .....؟
-    للعمر خبرته وشعوره، وفهمه للمسؤولية وتفهمه للسياق العام الذي يعيش فيه.
قبل عشرين عاما، كنت إذن في آخر الثلاثينيات، ولو التقيت بمحسن زايد كاتب سيناريو فيلم "فرحان ملازم آدم"، لقلت له فيما قلت معلقا على النهاية: ربما استلزم الحال هذه النهاية الواقعية، في عودة فرحان الى الديمومة. ولكن اليوم وانا بيني وبين الستين عام وشهر، فإنني محتار فيما أقوله، فهل أعيد القناعة نفسها، أم تراني أختار لفرحان مكان آخر كي يقيم به، بعيدا عن حوش حسنة وجيرانها، ونقل مكان العمل بعيدا عن سطوة المخبر، ومتابعة ما يمكن فعله مع المحامي الواقعي اسماعيل في التعامل مع الواقع الصعب، والذي نصح بتقديم شكوى للوزير ضدّ المخبر من باب "العيار اللي ما يصيب يدوش"؟
بعد إنتاج الفيلم 15 عاما أو يزيد عاما، أي قبل 5 سنوات، كتبت مقالا أستعيد فيه الفيلم، من خلال استعادتي لعدد من أهم الأفلام المتحدثة عن التحولات، التي ضمنتها كتابي "تحولات المجتمع العربي في السينما المصرية"، وقد كان المقال بعنوان "فرحان ملازم آدم: من الديمومة وغيرها". وفيه بحت بما أقدر عليه، معتمدا على تحليل الفيلم الناقد للمنظومة.
واليوم، باعتبار تحمّل المسؤولية، ما الذي يمكننا فعله من كل الأعمار؟
يمكننا إن أردنا. وحتى نريد، فإننا بحاجة للوعي؛ فهو من يمنحنا القوة لمعرفة النفس ونقدها، كذلك مساءلة الآخرين.
يصل من الريف، الشاب فرحان ملازم آدم، للعمل في المدينة الكبيرة، حاملاً معه القيم العادية التي نشأ عليها في قريته البعيدة، كحال الريف العربي، لينصدم بالعديد من المواقف، والتي يتقبل بصبر بعضها، في حين لا يتقبل أكثرها، وحينما تدفعه الحمية للتغيير باليد، يتم تعنيفه بقسوة. يقوده القدر للسكن في غرفة صغيرة في بيت بسيط تملكه بائعة كشري، حيث يشكل البيت حوشاً فيه القصص والحكايات، التي راح فرحان يطل عليها مصدوماً، من أول لقاء.
 والآن، دعنا نتحدث مع من نعقد عليهم الأمل من الجيل الجديد غير المتلوث، أما هؤلاء المتلوثون والمتورطون فإنني أزهد بمخاطبتهم كما زهد فرحان الذي غني: 
كعكع ع الكلام واتكيفه في الحوش
ربما أكعكع، أي أتوقف، وربما لا، وغيري كثيرون، ولكن الأكثر أهمية تربية النشء دون أن نورثهم عيوبنا. لذلك، لعلنا نفهم "كعكع"، بمعنى الزهد بهذه المنظومات، باتجاه التغيير، لا بمعنى الزهد اليائس.

النهاية تعيدنا للبداية والتساؤل المرّ: ما دلالة الانتهاء التراجيدي بمشهد فرحان في محطة مصر عائداً إلى بلده، وهو المشهد نفسه الذي ابتدأ الفيلم به قادماً من بلده إلى القاهرة؟ كيف جاء شغوفا ممتلئاً حماسة وفرحاً وقد عقد الأمل على المدينة، وكيف يتركها مكسور الخاطر بحزن عميق؟
والمحامي إسماعيل حسن حسني الغرقان في الحشيش والعاجز أمام زوجته، وعامل الكهرباء 2 فاز حجاج عبد العظيم الذي يتحرش بها، بل ويقيم علاقة معها، تكون ثمرتها طفل، يفرح به زوجها، كإشارة للشرعي وغير الشرعي.
-    هل بقي ما نقوله؟
-    كتب نجيب محفوظ "القاهرة الجديدة" عام 1945منتقدا حالة المنظومة عام 1930، ثم جاء صلاح أبو سيف وحولها الى السينما تحت عنوان "القاهرة30 “عام 1964. 
-    طيب؟
-    ما لم يقله نجيب محفوظ عن زمنه، فإن استعاد ما كان قبل 12 عاما، فكتب ما شعر به ووعى عليه، أما أبو سيف، فقد استعادها لا لنقد ما كان، بل ما يكون عام 1966. ثم يأتي دور المتلقي، وذلك دور الأدب والفن ضمن منظومة الثقافة والفكر والقانون.
رحم الله الكاتب محسن زايد ومنح المخرج عمر عبد العزيز الصحة؛ فكم كانا جريئين، وضعا النقاد فوق الحروف، فقالا ما يجب قوله ومضيا، تاركين لنا مواصلة الرسالة، والأمل.