الكاتبة : سهى زيدان
من الصعب أن يُذكر اسم الرواية العربية الحديثة دون أن يتقدّم إلى الذاكرة اسم صنع الله إبراهيم، الكاتب الذي جعل من الأدب سلاحًا في وجه النسيان، ومن الكلمة مرآةً لضمير وطنٍ جريح. لم يكن يومًا من أولئك الكتّاب الذين يسعون إلى مجاملة السلطة أو إرضاء القارئ، بل كتب ليكشف، ويفضح، ويواجه، حتى وإن خسر في المقابل كل شيء. هو الكاتب الذي صدّق أن مهمة الأدب ليست التزيين، بل كشف العفن، وأن الرواية يمكن أن تكون وثيقة إدانة بقدر ما هي عمل فني.
وُلد صنع الله إبراهيم في القاهرة عام 1937، وعاش طفولته وشبابه في قلب مصر التي كانت تتغيّر بسرعة بين الملكية وثورة يوليو 1952. كان شاهدا على التحولات السياسية وجزءًا من جيلٍ آمن بالشعارات الكبرى ثم رأى حلمه يتهاوى. في أوائل الستينيات اعتُقل بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي المصري، وبقي في السجن قرابة خمس سنوات. هناك، خلف الجدران، تشكّل وعيه الفني والسياسي، وهناك تعلّم كيف يكتب عن الحرية من داخل القيد. تجربة السجن كانت بالنسبة إليه لحظة ولادة جديدة، ومنها خرج ليكتب ما لم يُكتب من قبل.
حين نشر روايته الأولى "تلك الرائحة" عام 1966، بدت النصوص الأدبية الأخرى وكأنها من زمنٍ آخر. بأسلوب مقتضب ولغة جافة، روى قصة سجين خرج من المعتقل إلى مدينة فقدت ملامحها. لا أسماء، لا مشاعر واضحة، لا بطولات. فقط إنسانٌ يتجوّل في فراغٍ هائل، يبحث عن معنى لا يجده. كانت الرواية أشبه بصفعةٍ للأدب العربي التقليدي، وإعلانًا صريحًا عن بداية كتابة جديدة، كتابةٍ تشبه الخراب الذي عاشه جيل الثورة بعد أن خذلته الشعارات.
لكن ما يميّز صنع الله إبراهيم ليس فقط جرأته، بل قدرته على تحويل التفاصيل اليومية إلى شهادة على زمنٍ بكامله. في روايته "اللجنة" التي صدرت عام 1981، بنى عالماً خانقاً تسوده سلطة غامضة تُراقب وتُحاسب وتُهين الإنسان باسم النظام والانضباط. الرواية تبدو في ظاهرها حكاية بيروقراطية ساخرة، لكنها في عمقها نقدٌ مرير لكل منظومات القهر العربية، من المحيط إلى الخليج. استطاع أن يصوغ مأساة المواطن الذي يتحوّل إلى رقم في ملفات الدولة، وأن يقدّم نموذج الإنسان العربي المعاصر الذي يعيش تحت سلطةٍ تُراقب حتى أنفاسه.
لم يكن صنع الله إبراهيم يكتب عن السياسة فحسب، بل كتب عن الخيبة الكبرى التي عصفت بالوجدان العربي منذ هزيمة 1967. في روايته "بيروت بيروت" الصادرة عام 1984، حمل القارئ إلى قلب الحرب الأهلية اللبنانية، حيث الجنون والدمار واللا معنى. استخدم لغةً شبه وثائقية، مزج فيها بين الأخبار والصور والحوارات، كأنه يؤرخ لمرحلة سقط فيها الحلم القومي تحت ركام المدن المحترقة. كانت بيروت بالنسبة إليه رمزًا لانهيار الفكرة العربية الواحدة، وصورةً للإنسان الذي صار غريبًا في وطنه وغريبًا عن ذاته.
وفي "برلين 69" التي نشرها عام 2003، خرج الكاتب إلى فضاء آخر، إلى ألمانيا الشرقية، ليرى العالم من خارج الحدود. البطل يعيش في بلدٍ اشتراكي ينهار من الداخل، فيتأمل انهيار الأحلام التي تشبه أحلام جيله العربي. في الرواية أسئلة عن الحرية والانتماء، عن الإنسان الذي وجد نفسه عالقًا بين المثال الثوري والمصير المجهول. كان صنع الله إبراهيم يربط دومًا بين التجربة العربية ونظيراتها في العالم، مؤمنًا أن الهزيمة ليست محلية بل إنسانية، وأن البحث عن العدالة لا وطن له.
كتب صنع الله تاريخ مصر الحديثة من موقع الراوي الغاضب والمتمرد. رأى في ثورة يوليو بداية حلمٍ بالكرامة والعدالة، لكنه لم يتردد في فضح ما تبعها من قمعٍ ومصادرةٍ للحريات. وفي عهد السادات، انتقد الانفتاح الاقتصادي الذي حوّل البلاد إلى سوقٍ مفتوحٍ للفساد، ثم تابع في عهد مبارك ما رآه موتًا بطيئًا للمشروع الوطني. كان يؤمن أن المثقف الحقيقي لا يمكن أن يكون شاهد زور، وأن الصمت في زمن الظلم خيانة. لذلك ظلّ طوال حياته صوتًا مزعجًا للسلطة، لكنه عميق الاحترام لدى القرّاء والنقّاد.
شخصياته كانت انعكاسًا لمعاناته ولجيله: صحفيون، كتّاب، ومثقفون يعيشون صراعًا بين المبدأ والواقع، بين الانتماء والاغتراب. لم يمنحهم البطولة ولا النهاية المريحة، بل تركهم تائهين في مواجهة عالمٍ ينهار. كانت لغته أقرب إلى التقارير الصحفية أحيانًا، جافة ومباشرة، لكنها تحمل في باطنها حرارة الغضب الإنساني. استخدم النصوص الرسمية والخطابات والإعلانات في نسيج الرواية، ليقول إن الحياة اليومية نفسها باتت مستعمرة من الخطاب السياسي والإعلامي. بهذا الأسلوب المبتكر، تجاوز حدود الفن الروائي ليبتكر شكلاً جديدًا من السرد الواقعي، يختلط فيه الأدب بالتاريخ، والخيال بالوثيقة.
ولم يكن التزامه قاصرًا على الورق. ففي عام 2003، حين فاز بجائزة الرواية العربية من وزارة الثقافة المصرية، رفض تسلّمها علنًا احتجاجًا على سياسات الحكومة، قائلاً إن الكاتب لا يُكرَّم من سلطةٍ لا تحترم حرية مواطنيها. كان موقفه أشبه ببيانٍ أخلاقيٍّ يلخّص سيرته كلها: رجل لا يساوم، لا يتزيّن، ولا يكتب إلا بما يؤمن به. ظلّ مثالًا نادرًا للمثقف الذي يكتب ليحافظ على كرامته لا ليحصل على اعترافٍ رسمي.
حين رحل صنع الله إبراهيم عام 2025، رحل معه أحد آخر الأصوات التي ظلّت تذكّرنا بأن الأدب ليس ترفًا ولا تسلية. ترك وراءه نصوصًا تُقرأ كما تُقرأ الشهادات، مليئة بالصدق والغضب والحلم. كتب عن السجن، عن الخوف، عن الغربة، وعن الإنسان الذي يقف في وجه العاصفة رافضًا الاستسلام. كل رواية من رواياته كانت مرآة لمرحلة من مراحل مصر والعالم العربي، حتى بدا وكأنه كتب سيرة وطنٍ بأكمله من خلال وجعه الشخصي.
لقد كان صنع الله إبراهيم الكاتب الذي وحّد بين الخاص والعام، بين التجربة الذاتية والذاكرة الجماعية. كتب عن نفسه، لكنه كان يقصدنا جميعًا. وفي زمنٍ تراجعت فيه الأصوات الصادقة أمام الضجيج، يبقى صوته مختلفًا، واضحًا، ومؤلمًا بقدر ما هو جميل. رحل الجسد، لكن نصوصه ستبقى، لأن ما كُتب بصدق لا يموت، ولأن الكلمة حين تُقال من القلب تظلّ قادرة على فضح الزيف وإحياء الأمل، مهما طال الزمن.



