الكاتبة : سهير سلامة
" ان وظيفة الادب، ليست الترفيه، وانما المشاركة في معركة الانسان ليبقى انسانا". "ان قضية الموت ليست على الاطلاق قضية الميت، انها قضية الباقين". نعم انه أدب من نوع آخر، جسدت به روح شعب ، أبى ورفض ان يكون رقما من بين الارقام ، ولا حياة بلا هوية وتاريخ، انه فكر من نوع مقاوم، حمل سلاحه فكانت بضع كلمات حسبها عليه الجاهل حروفا من رماد، لكنها كانت مقاومة من نوع عنيد وصارم، كانت ترفض كل اشكال الاستسلام لواقع اراد له عدوه ان يكون بين الركام وضمن الركب، ولكنه اراده قلما ، عحزت كل اشكال التركيع ان توقف نبضه.
غسان كنفاني، ذاك الثائر المهاجر، عاش النكبة طفلا، والنكسة شابا، والمنفى كاتبا، كانت كل كلمة شاهدا عيانا على واقع الخذلان الذي رفضه، ولم يستسلم له، بل حمل روحه ليقول: لا.
" ادب المقاومة في فلسطين المحتلة"، شاهد على كلماته حين قال : " انا لا أكتب لأرضي أحدا، بل لأقول الحقيقة". وفي روايته الاشهر ، " رجال في الشمس" ، الاي سطرها عام ١٩٦٣، كانت شاهدا على خذلان بني جلدته وعدوه في آن واحد، حين اختار ان تكون مثالا لثلاثة رجال، يبحثون عن حياة خلف الحدود، يختبؤون داخل خزان ، توقا للحرية والعدالة ، ولكن الموت سبق الحياة، لنجد الراوي يصرخ !
لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟؟ .
هنا الرواية والراوي، هنا المأساة والنقمة، هنا وطن دق الجدران يا غسان مرات ومرات عديدة ، ولكن وفي كل مرة كان ، صوتا بالخارج يقول ، لم يتبق لكم حياة ، موتوا داخل جدران الخزان، فلا كرامة لنا لنرى وجوهكم العطشى للحرية، لأننا نحن ايضا مسلوبو الكرامه.
غسان لم يكن كاتبا فحسب، بل كان مشروعا خطيرا بالنسبة للأعداء ، جعل القلم وسيلة لتحرير الوعي قبل الارض، فهو ذاكرة وطن بأكمله، وشاهد على جرح لم يندمل بعد، حياته القصيرة، لم تمنعه من ان يكون ليس فقط ذاك المثقف الملتزم، بل مثقفا بأدب فعل ما فعلته المقاومة بأكملها.
" ام سعد" لم تكن ظلا للرجل، وانما ذاكرة للارض، تقف خلف الصمود والارادة، تقدم وتعطي افضل ما تجود به الارض من تضحيات، كانت وما زالت " ام سعد" في مقدمة جحافل اليقين، والايمان بالحق والحرية. وستبقى يا غسان " ام سعد" كما عهدتها ، ولن تخذلك يوما.
وفي عودته التي آمن بها وانتظرها " عائد الى حيفا"، كان انتمائه لارضه وشجرة البرتقال، والزيتون، ما يتطلع اليه وتهفو نفسه لشعور الانسانية التي فقدها شعبه بفقدان تراب البرتقال والليمون.
حين اغتيل كنفاني، لم تنته قصته ، بل بدأت حكايتنا معه، حكاية كان لا بد لها من بداية لتستمر وتنمو وتكبر، كبرت الحكاية والبداية، ولازلت تكتب وكأنها البارحة، نراها ونراك فيها، نرى خطوط حروف يدك، على كل الاوراق والقصاصات ، نراك حين قلت: " لا تمت قبل ان تكون ندا "، اكانت مأساتنا تحتاج ندا ؟، كنت اصدق منا وأبيت الا ان تكون ندا حقيقيا للعدو . وماتت مأساتك ولم تمت الفكرة والهوية . نم قرير العين فندك لا بد وان يموت يوما .
* مراسلة " واثق نيوز" في المحافظات الشمالية



