آراء

الضفيرة التي أرعبت السجّان في سجن النساء

10 مشاهدة قراءة 6 دقيقة

الكاتب : عيسى قراقع


كل ما تفتّقت عنه نظريات التوحّش والتنكيل في العصور الدموية، وكل ما ابتُكر من أساليب للتفنّن في تدمير الإنسان وتجريده من صفته البشرية، يحدث الآن في سجون وزنازين الاحتلال الإسرائيلي؛ عبقريات حداثوية في التعذيب والقمع والسلخ والقتل والعنف الجنسي والتفتيش العاري والتجويع الممنهج والحرمان من العلاج، واستحداث أساليب لم يكتشفها ميشيل فوكو وفرانز فانون ونيلسون مانديلا وغرامشي ويوليوس فوتشيك وفيكتور فرانكل وجورج طرابيشي. كل هؤلاء وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين والمناضلين لم يعتقدوا يومًا أن السجن في الزمن الصهيوني، سيصبح شكلًا آخر من أشكال الإبادة الجسدية والنفسية العلنية، فلم يعد مجرد مكان للعقوبة والضبط والسيطرة، وإنما صار قبورًا لتجارب القتل البطيء، ودفنًا للأحياء في عذاب أجسادهم المدمّرة.
الآن، يبشّركم نتنياهو وبن غفير وعصابات القمع في السجون، وعشيّة الانتخابات الإسرائيلية، وبعد أن استُنفدت كل وسائل الإرهاب والجرائم بحق الأسرى، بأن جدائل شعر النساء الأسيرات وضفائرهنّ باتت تُعدّ خطرًا أمنيًّا وتمردًا على نظام التحكم المطلق في أجساد النساء وخصوصيتهنّ. فشرع هؤلاء عقوبة الشعر المجدول، وأجبروا الأسيرات بالقوة على تفكيك ضفائرهنّ ونزع الحجاب. ممنوع أن يكون هناك جمال أو إنتاج للذاكرة والكرامة في أكثر الأماكن بشاعة! قوات كبيرة تداهم غرف السجينات في سجن الدامون، وترشّ الغاز المسيل للدموع، وتلقي القنابل الصوتية، وتعتدي عليهنّ، وتجبر الأسيرات على الانبطاح أرضًا، وتعزل سبع عشرة أسيرة في الزنازين، وتفتّش الشعر، وتفكّ الجدائل قسرًا. إنه استعراض للسيطرة على أدقّ التفاصيل التي تعبّر عن إنسانية الإنسان وملامحه الآدمية.
وعندما أثارت مؤسسات حقوق الإنسان هذه الانتهاكات التعسفية الصادمة، كان ردّ دولة الاحتلال الإسرائيلي أن جمال المرأة الفلسطينية استفزاز ومقاومة، وأن الجديلة وترتيب الشعر وتصفيفه رموز أنثوية ووطنية. فتفكيك الجديلة محاولة لتفكيك الهوية، وتفتيت للخيوط التي تربط المرأة بأرضها وذكرياتها، بأطفالها وأمها وجدتها وبيتها. فالمرأة تجدّل شعرها لتتحرك بحرية في حقول الفلاحة، وفي فضاءات عواطفها، وفي ساحات النضال.
إنها معركة على أجساد الأسيرات الفلسطينيات في السجون، وهذه المرة على ضفائر شعورهنّ. معركة لم يخضها حتى، رودولف هوس، قائد معسكر أوشفيتز النازي، ولا ليدي إنغلاند التي عذّبت السجناء في سجن أبو غريب في العراق، ولم تذكرها أنجيلا ديفيس في مذكراتها خلال اعتقالها في السجون الأمريكية أنها شهدت مثيلًا لها. شهادات موثّقة وفظيعة تُظهر إلى أيّ مدى بلغ العنف الاستعماري الصهيوني الحضيض الأخلاقي والإنساني، حين يُنظر إلى ضفائر المرأة بوصفها فعل مقاومة، واستعادة للذات، ووسيلة دفاع، وحين ينكشف في ذلك عن وجه الدونية والكراهية الكامنين في عقل الجلاد ونفسيته.
هذه الضفيرة التي أرعبت السجّان هي جغرافيا وطن، وأنوثة حرّة في معسكرات الجحيم والحديد، وحياة قابلة للاستمرار، وتحدٍّ للفقد والغياب، وحقّ للمرأة في أن تكون ذاتها وروحها، لا ما يريد السجّان أن يصوغها عليه.
هذه الضفيرة التي صارت تهمة، وهذا الشعر المنسدل المجدول الذي غدا وسيلة للدفء والأمان، وحصنًا يحتمي به الفدائي من صقيع المنافي والشتات، في الشعر المجدول حضرت كل القصائد التي تفوح منها رائحة البرتقال، وحضرت كل الأغاني الشعبية والترويدات والأهازيج، بوصفها معايير للنشمية والماجدة الفلسطينية البهيّة، الصامدة، الصبورة، الوفية، الشريفة، والعروس الجميلة.
إنها جدائل منسدلة على الثوب الفلسطيني المطرّز، تزيد ملامح الهوية البصرية للمرأة الفلسطينية وضوحًا، جدائل الزيتونة العريقة الممتدة من أعماق الأرض إلى شرايين الفلاح الفلسطيني، وهو يعصر الزيت ويقاوم الموت.
جدّلي يا أمّ الجدائل، جدّلي
وشعرك طال، وصل الخلخال
مجدول جدائل، غزل الغزال.

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية