آراء

فلسطين ما بعد الانتخابات .. من انتظار الاستحقاق إلى استحقاق الفعل الوطني

3 مشاهدة قراءة 14 دقيقة

الكاتب : معنز السيد 

يبدو أننا نقترب مرة أخرى من لحظة فلسطينية أضحت مألوفة انتخابات يُفتح لها الباب وتبدأ القوى السياسية والمجتمعيه بالاستعداد لها ويتحرك الشارع على وقعها ثم سرعان ما يعود السؤال القديم
هل ستُجرى الانتخابات فعلًا؟

حتى اللحظة، ما زال الموعد الرسمي للانتخابات التشريعية محددا في 28 تشرين الثاني 2026، وما زالت لجنة الانتخابات تعلن استمرار العملية الانتخابية وفق الجدول المعلن لكن النقاشات السياسية الأخيرة وما أعلنته قوى فلسطينية عن تفاهمات بشأن التأجيل أعادت بقوة احتمال تأجيل الاستحقاق إلى الواجهة .

وسواء جاء التأجيل لأشهر أو لعام أو إلى موعد غير محدد فإن القضية الفلسطينية لا تستطيع أن تسمح بأن يتحول التأجيل إلى سياسة دائمة ولا أن تصبح الانتخابات محطة مؤقتة نعود إليها كلما اقترب موعدها ثم نؤجلها إلى موعد آخر .

فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط متى ستجرى الانتخابات؟ 
بل سؤال أكثر عمقا  : ماذا ستفعل الحركة الوطنية الفلسطينية في الفترة التي ستلي تأجيلها؟

انتخابات كان يمكن أن تكون معركة وطنية ..

كان يمكن للانتخابات التشريعية رغم كل تعقيداتها أن تكون أكثر من مجرد استحقاق ديمقراطي داخلي كان يمكن أن تتحول إلى معركة سياسية ووطنية مباشرة مع الاحتلال .

فالانتخابات الفلسطينية لا تجري في دولة مستقلة ذات سيادة بل تحت الاحتلال والقدس محتلة والأرض تُصادر والاستيطان يتوسع والحركة الفلسطينية مقيدة وقطاع غزة يعيش آثار حرب ودمار هائلين فيما تتعرض الضفة الغربية لسياسات تهدف إلى إعادة تشكيل واقعها السياسي والجغرافي .

من هنا كان يمكن أن تقول الحركة الوطنية الفلسطينية للعالم، وللإسرائيليين قبل الفلسطينيين : نحن ننتخب لأننا شعب تحت الاحتلال، ونمارس حقنا في تقرير مصيرنا ونريد تجديد مؤسساتنا الوطنية، لا لكي نُدار بصورة أفضل داخل منظومة الاحتلال وكان يمكن أن تكون المعركة الانتخابية نفسها جزءا من الاشتباك السياسي مع الاحتلال . وكان يمكن أن يكون البرنامج الانتخابي الفلسطيني المشترك أو المتقارب برنامجا وطنيا واضحا من حيث إنهاء الاحتلال، مواجهة الاستيطان، حماية الأرض، تثبيت القدس، إنهاء الانقسام، إعادة بناء منظمة التحرير، وتجديد الشرعية الديمقراطية للمؤسسات الفلسطينية .

لكن يبدو أن جزءا مهما من الحركة الوطنية تعامل مع الانتخابات، مرة أخرى، باعتبارها منافسة على مقاعد أكثر من كونها فرصة لإعادة تعريف المشروع الوطني . وهنا تكمن إحدى أكبر الخسارات المحتملة ، فلا يجوز أن يكون التأجيل مجرد "استراحة" فإذا تأجلت الانتخابات، فلا يجوز أن تدخل القوى السياسية الفلسطينية في حالة انتظار جديدة فقد انتظر الفلسطينيون طويلا .

آخر انتخابات تشريعية جرت عام 2006، فيما لم تُستكمل المحاولات اللاحقة لتجديد المؤسسات بالانتخاب. وحتى محاولة عام 2021 انتهت إلى التأجيل بعد الوصول إلى مرحلة متقدمة من العملية الانتخابية ، وبالتالي، فإن أي تأجيل جديد لا ينبغي أن يعني ببساطة ان نعود إلى قواعد اللعبة نفسها، وننتظر مرسوما جديدا، ثم نبدأ من جديد، ثم نختلف على القوائم، ثم نقترب من موعد آخر، ثم نبحث عن سبب جديد للتأجيل .

إذا حدث ذلك، فإننا لا نؤجل الانتخابات فقط؛ بل نؤجل إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني نفسه ، والأخطر أن يصبح التأجيل آلية لإدارة الأزمة، بدل أن يكون فترة لمعالجة أسبابها.

ماذا تفعل الحركة الوطنية؟

هنا ينبغي أن يكون السؤال موجها إلى الجميع منظمة التحرير، والفصائل، والسلطة الفلسطينية، والقوى الديمقراطية، والمجتمع المدني، وكل القوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية : هل دورنا بعد التأجيل أن ننتظر الانتخابات القادمة؟ أم أن دورنا أن نبدأ فورا في بناء مرحلة وطنية جديدة؟

بتقديري، المطلوب هو الخيار الثاني. فإذا تأجلت الانتخابات، فإن أول واجب للحركة الوطنية هو أن تتفق على برنامج وطني سياسي واضح، لا برنامج انتخابي مؤقت .

برنامج يعيد ترتيب الأولويات الفلسطينية من جديد، ويضع مواجهة الاحتلال في مركز العمل الوطني، ويحدد بوضوح العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، ويعيد الاعتبار لمنظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع، ويضع إنهاء الانقسام في سياق إعادة بناء النظام السياسي لا في سياق المصالح الفصائلية .

نحن بحاجة إلى اتفاق وطني على سؤال أكبر من سؤال الانتخابات .. كيف نخوض المرحلة القادمة باعتبارنا حركة تحرر وطني تواجه احتلالا، وفي الوقت نفسه شعبا يحتاج إلى مؤسسات ديمقراطية قابلة للحياة؟

المطلوب ليس تأجيل الانتخابات... بل تغيير قواعد اللعبةن فإذا كان التأجيل واقعا لا مفر منه، فيجب أن يكون له ثمن سياسي إيجابي . أي أن تُستثمر الفترة الانتقالية في إعادة بناء البيت الفلسطيني، وليس في إعادة إنتاجه بالشكل ذاته ، وهذا يتطلب بحده الأدنى، خمسة مسارات متوازية هي : 

أولا: إعادة بناء منظمة التحرير
ليس باعتبارها شعارا تاريخيا، وإنما باعتبارها المؤسسة السياسية الجامعة التي تحتاج إلى إصلاح ديمقراطي حقيقي، وتجديد مؤسساتها، وتوسيع تمثيلها، وإعادة الاعتبار لهيئاتها المنتخبة.

ثانيا: إنهاء الانقسام على أساس سياسي، وليس فقط إداريا ، فالمطلوب ليس مجرد ترتيبات بين الضفة وغزة، وإنما اتفاق على قواعد النظام السياسي، وعلى مرجعية القرار الوطني، وعلى كيفية إدارة الصراع مع الاحتلال

ثالثا: إطلاق حوار وطني حول برنامج سياسي موحد
برنامج لا يختزل القضية الفلسطينية في إدارة السلطة، ولا يختزل المقاومة في شكل واحد، ولا يختزل السياسة في التفاوض، بل يجمع أدوات النضال السياسي والدبلوماسي والشعبي والقانوني والمقاوم ضمن رؤية وطنية واحدة.

رابعا: فصل الاستحقاق الوطني عن الحسابات الفصائلية
فلسطين أكبر من فتح وحماس والجبهة والحزب والجهاد وسائر الفصائل، وأكبر من السلطة والحكومة والمجلس التشريعي وما لم تدرك القوى السياسية ذلك ستظل الانتخابات نفسها أسيرة موازين القوى الفصائلية .

خامسا: تحديد موعد انتخابي ملزم وعدم ترك الباب مفتوحا لتأجيل جديد ، لأن الانتخابات التي لا تملك موعدا واضحا وآلية سياسية وقانونية لحمايتها من التأجيل، تتحول مع الوقت إلى وعد سياسي أكثر منها استحقاقا ديمقراطيا.

هل أضعنا فرصة؟

السؤال الأصعب ربما هو : هل أضاعت الحركة الوطنية فرصة كان يمكن أن تجعل من الانتخابات نفسها معركة مع الاحتلال؟ .. أعتقد أن علينا أن نكون صريحين في الإجابة ، نعم، هناك فرصة كانت متاحة وكان يمكن أن تدخل القوى الوطنية الانتخابات ببرنامج مشترك يقول إن الذهاب إلى صناديق الاقتراع في القدس والضفة وغزة هو بحد ذاته فعل مقاومة سياسية للاحتلال .

كان يمكن أن تتحول قضية القدس إلى معركة انتخابية عالمية، وأن يصبح منع الاحتلال الفلسطينيين من ممارسة حقهم الديمقراطي دليلا جديدا على طبيعة الاحتلال، لا ذريعة فلسطينية لتأجيل الديمقراطية .

وكان يمكن أن تتحول الانتخابات إلى مساحة لاستعادة ثقة الناس وإعادة إشراك الأجيال الشابة وإنتاج قيادات جديدة، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي بعد سنوات طويلة من الجمود والانقسام.

لكن الفرصة لم تكن في صناديق الاقتراع وحدها ، الفرصة كانت في تحويل الانتخابات إلى مشروع وطني

وهذا ما لم نفعله بالقدر الكافي ، فلا يجوز أن ننتظر الاحتلال كي يسمح لنا بأن نكون شعبا .

المفارقة الفلسطينية أننا نريد انتخابات، لكننا نسمح للاحتلال بأن يصبح أحد العوامل الحاسمة في تحديد إمكانية إجرائها .

بالطبع، لا يمكن تجاهل الاحتلال أو تجاوز تأثيره، ولا يمكن إجراء انتخابات طبيعية في ظروف غير طبيعية لكن الفرق كبير بين أن يكون الاحتلال عائقا أمام الانتخابات، وبين أن يتحول الاحتلال إلى صاحب قرار غير مباشر في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني .

الاحتلال سيحاول دائما تعطيل أي فعل فلسطيني يعزز الهوية الوطنية والتمثيل الديمقراطي والوحدة السياسية لذلك من السذاجه طرح السؤال هل يسمح الاحتلال لنا؟

بل كيف نحول محاولات الاحتلال لمنعنا إلى جزء من معركتنا الوطنية والدولية ضده؟

وهنا تحديدا كان يمكن للانتخابات أن تكون أداة سياسية، لا مجرد عملية إدارية.

ما بعد التأجيل يجب ألا يكون كما قبله

إذا تأجلت الانتخابات، فإن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن نعود إلى اليوم السابق لإعلان موعدها.

تعود الفصائل إلى مكاتبها، وتعود البيانات، وتعود الاجتماعات، وتعود الخلافات حول الحصص والمقاعد والترتيب، ثم ننتظر المرسوم القادم. هذا ليس مستقبلا وطنيا. فالمطلوب أن يتحول التأجيل، إن وقع، إلى مرحلة تأسيس وطني جديدة.

مرحلة نعيد فيها تعريف العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة، وبين السلطة والمجتمع، وبين الفصائل والشعب، وبين العمل السياسي والمقاومة، وبين الانتخابات ومواجهة الاحتلال . ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يخرج من أي اجتماع فلسطيني قادم ليس متى نحدد موعد الانتخابات؟ بل ماذا نريد أن تكون فلسطين عندما يأتي موعد الانتخابات؟

هل نريد نظاما سياسيا فلسطينيا منقسما ينتظر الانتخابات لكي يعيد إنتاج انقسامه؟ أم نريد نظاما سياسيا وطنيا ديمقراطيا، يستند إلى منظمة التحرير، ويستمد شرعيته من الشعب، ويضع مواجهة الاحتلال وإنهاء الانقسام وبناء الدولة المستقلة في قلب برنامجه؟

إن الانتخابات مهمة، بل ضرورية. لكنها ليست القضية كلها. القضية المركزية أن تستعيد الحركة الوطنية الفلسطينية قدرتها على المبادرة، وأن تتوقف عن التعامل مع الزمن السياسي باعتباره شيئا ننتظره، وأن تبدأ في صناعة هذا الزمن .

فإذا كان التأجيل قادما، فلا ينبغي أن يكون تأجيلا جديدا لفلسطين .. ليكن تأجيلا للانتخابات فقط، لا تأجيلا للوطن، ولا تأجيلا لإعادة بناء الحركة الوطنية، ولا تأجيلا لمواجهة الاحتلال، ولا تأجيلا للديمقراطية.

فلسطين لا تحتاج إلى موعد انتخابي جديد بقدر ما تحتاج إلى مشروع وطني جديد يقودها إلى ذلك الموعد .

*قيادي في حزب الشعب الفلسطيني 

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية