الكاتبة : سهى زيدان
لفتني في مشهد حفل عمرو دياب في العقبة شيء أبعد من الحفل نفسه.
آلاف الناس حضروا، ودفعوا ثمن التذاكر، وحجزوا الفنادق، وقطع بعضهم مسافات طويلة، والتزموا بطلب بسيط من المنظمين: أن يرتدوا اللون الأبيض.
وفعلوا.
لا أقول هذا اعتراضا على الحفل، ولا على الذين ذهبوا إليه. من حق الناس أن تفرح، وأن تغني، وأن ترقص، وأن تسافر، وأن تنفق من أموالها على ليلة تمنحها بعض الخفة وسط ثقل الحياة. وليس من العدل أن ننظر إلى كل مظاهر الفرح باعتبارها دليلا على سطحية الناس أو غفلتهم.
لكنني، كمهتمة بالتربية، توقفت عند سؤال آخر:
كيف يستطيع شخص واحد أن يؤثر في آلاف الناس إلى هذا الحد؟
كيف يكفي أن يطلب منهم ارتداء لون معين، فيفعلون ذلك بحماس، بينما نقضي سنوات ونحن نحاول إقناع أبنائنا بقراءة كتاب، أو البحث، أو السؤال، أو التفكير فيما يصل إليهم عبر الشاشات؟
هنا تذكرت كتاب غوستاف لوبون «سيكولوجية الجماهير».
لا أستحضر الكتاب لأقول إن الإنسان حين يصبح جزءا من جماعة يفقد عقله؛ فهذا تبسيط لا أوافق عليه، كما أن كثيرا من أفكار لوبون نفسها تعرضت لاحقا للنقد والمراجعة.
لكن الكتاب يفتح بابا مهما للتفكير في قوة التأثير حين يصبح الفرد جزءا من جمهور، وفي سرعة انتقال بعض السلوكيات والمشاعر داخل الجماعة.
وربما هذا هو الجزء الذي يعنيني تربويا.
فالإنسان لا يتشكل وحده.
يتأثر بما يرى، وبمن يحب، وبما يسمعه كثيرا، وبما يجد الآخرين يفعلونه حوله. ومع الوقت، قد تصبح بعض الأشياء طبيعية في نظره، لا لأنه اختارها بعد تفكير طويل، بل لأنه وجدها حاضرة في كل مكان.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية حين تصبح الشهرة قيمة في حد ذاتها.
نحن نعيش في زمن يستطيع فيه شخص أن يصل إلى ملايين الناس لأنه مشهور، لا لأنه الأكثر معرفة أو عمقا. وقد يصبح عدد المتابعين دليلا على الأهمية، حتى لو لم يكن دليلا على شيء سوى القدرة على جذب الانتباه.
وهذا ليس ذنب الشباب وحدهم.
نحن الذين صنعنا جزءا كبيرا من هذا المشهد.
الأسرة التي لا تجد وقتا للحوار، والمدرسة التي تجعل الكتاب مرتبطا بالامتحان، والإعلام الذي يلاحق الأكثر انتشارا، والمؤسسات الثقافية التي لا تصل دائما إلى الناس بالطريقة التي تصل بها المنصات السريعة.
ثم نسأل: لماذا لا يقرأ الشباب؟
ربما علينا أن نسأل قبل ذلك: ماذا فعلنا كي نجعل القراءة محبوبة؟
وماذا فعلنا كي يصبح السؤال عادة؟
وماذا فعلنا كي يشعر الشاب بأن المعرفة يمكن أن تكون ممتعة، وليست شيئا يفعله لأنه مطالب به؟
أنا لا أريد من الفنان أن يتحول إلى واعظ.
ولا أريد أن تتحول الحفلات إلى محاضرات في التربية أو الأخلاق.
لكنني أؤمن بأن من يملك هذا القدر من التأثير يملك أيضا فرصة جميلة: أن يترك، إلى جانب الأغنية، شيئا آخر.
كلمة عن كتاب.
دعوة إلى التعلم.
إشارة إلى قضية إنسانية.
سؤال يجعل شابا يفكر بعد انتهاء الحفل، بدلا من أن تنتهي علاقته بكل ما حدث بمجرد انطفاء الأضواء.
قد تبدو هذه الأشياء صغيرة، لكنها ليست كذلك دائما.
فكم من كلمة سمعناها في وقت عابر ثم بقيت معنا سنوات؟
وكم من شخص دخل حياتنا بجملة واحدة، ولم يعرف أبدا أنها غيّرت شيئا فينا؟
لكن المسؤولية، في النهاية، ليست مسؤولية الفنان وحده.
ولا يمكن أن نطلب من المغني أن يصلح ما أفسدته المدرسة، أو أن يعوّض غياب الأسرة، أو أن يقوم بدور المؤسسات الثقافية.
التربية مسؤولية أكبر من ذلك بكثير.
نحن بحاجة إلى جيل يعرف كيف يستمتع، لكنه يعرف أيضا كيف يسأل.
جيل يستطيع أن يحب فنانا دون أن يجعل منه مرجعا في كل شيء.
أن يتابع مؤثرا دون أن يسلّمه عقله.
أن يشارك في جمهور كبير دون أن يفقد صوته الخاص.
أن يقول: أحب هذه الأغنية، لكنني لا أوافق على كل ما يقوله صاحبها.
هذه، في رأيي، واحدة من علامات التربية الجيدة: أن نعلّم الإنسان كيف يتأثر دون أن يفقد استقلاله.
لذلك لا يزعجني أن يرتدي آلاف الناس اللون الأبيض.
الذي يشغلني أكثر هو: ماذا نرتدي في داخلنا؟
هل لدينا مساحة للأسئلة؟
هل لدينا فضول كاف لنعرف؟
هل نستطيع أن نختلف؟
هل نقرأ قبل أن نحكم؟
هل نبحث قبل أن نصدّق؟
وهل نستطيع، وسط كل هذا الضجيج، أن نلتفت للحظة إلى إنسان آخر لا يعيش الحياة التي نعيشها؟
لا أريد إلغاء الفرح.
على العكس، نحن في حاجة إليه.
لكنني لا أريد أيضا أن يصبح الترفيه هو اللغة الوحيدة التي نجيد الاستجابة لها.
فالإنسان يحتاج إلى الأغنية، نعم.
لكنه يحتاج أيضا إلى الكتاب.
يحتاج إلى الضحكة، لكنه يحتاج إلى السؤال.
يحتاج إلى أن يعيش اللحظة، لكنه يحتاج بين لحظة وأخرى إلى أن يرفع رأسه ويرى العالم من حوله.
ربما كانت صورة آلاف الناس باللون الأبيض جميلة.
لكن الصورة التي أتمنى أن أراها أكثر جمالا هي آلاف الشباب مجتمعين حول فكرة، أو كتاب، أو حوار، أو سؤال لا يملكون له إجابة جاهزة.
هناك، في رأيي، يبدأ دور التربية الحقيقي:
أن نربي إنسانا لا ينتظر دائما من أحد أن يقول له ماذا يفعل، بل يستطيع أن يفكر، ثم يختار.
فالمهم ليس أن نرتدي اللون نفسه، بل أن نمتلك عقولا تستطيع أن ترى أكثر من لون.

