آراء

ثلاث سنوات من الحرب... وجيلٌ كامل على مقاعد الانتظار !

11 مشاهدة قراءة 4 دقيقة

الكاتب : د. بسام سعيد
 
يبدأ العام الدراسي في غزة، لكن أطفال غزة لا يعودون إلى مدارسهم؛ يعودون إلى ما تبقى من فكرة المدرسة.
خيام بدل الفصول، مقاعد شحيحة، كتب غائبة، بنية تحتية متهالكة، وطرق محفوفة بالخطر. وحتى بعض المدارس التي نجت من الدمار ما زالت تؤوي نازحين لا يعرفون إلى أين يذهبون إذا أُغلقت في وجوههم أبواب المأوى.
المشهد يكشف مفارقة مؤلمة: النازح يحتاج إلى المدرسة ليحتمي، والطفل يحتاج إلى المدرسة ليتعلم، وكلاهما يبحث عن حق أساس لا يجد مكانًا له. خلال ثلاث سنوات، لم يخسر أطفال غزة مبانيهم التعليمية فقط؛ خسروا سنوات من التعلم والاستقرار والحياة الطبيعية. ظهرت مدارس شعبية ومبادرات أهلية حاولت إبقاء التعليم حيًا، لكنها مهما بذلت لا تستطيع أن توفر البيئة المدرسية المتكاملة. فالمدرسة ليست سبورة وخيمة ومعلمًا فقط؛ إنها أمان، وانضباط، وتفاعل اجتماعي، ومختبر، ومكتبة، وملعب، وشعور بأن الطفل يعيش حياة طبيعية.
والأخطر أن الفقر بدأ يزاحم التعليم. أطفال يذهبون للعمل، أو يبحثون عن لقمة لأسرهم، فيما يتراجع التعليم في سلم الأولويات. ومع استمرار الانقطاع، يتحول الفاقد التعليمي إلى فاقد اجتماعي واقتصادي قد يرافق هذا الجيل لسنوات طويلة.
حتى المعلم الذي يفترض أن يمنح الأطفال الأمل، يعيش هو الآخر أزمة قاسية: دخل غير مستقر، ظروف معيشية صعبة، وضغط نفسي لا يتوقف. ومع ذلك يقف أمام الأطفال ويحاول أن يقول لهم، بالفعل قبل الكلام: ما زال للمستقبل مكان.
لهذا لا ينبغي أن نتعامل مع بداية العام الدراسي باعتبارها خبرًا عابرًا. إنها لحظة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا. فنحن لا نتحدث عن تأخر دراسي عادي يمكن تعويضه بحصص إضافية. نحن أمام جيل قد تتسع الفجوة بينه وبين أقرانه عامًا بعد عام، حتى يصبح ما خسره اليوم جزءًا من مستقبله غدًا.
الحرب تهدم الحجر، لكن ترك التعليم ينهار قد يهدم شيئًا أخطر: قدرة جيل كامل على بناء ما بعد الحرب.
قد نعيد بناء المدارس بعد سنوات، لكن الطفل الذي فقد سنوات من طفولته وتعليمه لن نستطيع أن نعيد له تلك السنوات.
في غزة، إنقاذ التعليم اليوم ليس إنقاذًا للمدرسة فقط ، بل إنقاذٌ لجيلٍ كامل من أن يتحول ضحيةً مستمرة للجهل والتخلف والعنف وفقدان المستقبل.

 *أكاديمي وكاتب