اقتصاد

المجلس الاقتصادي الأعلى في فلسطين... ضرورة وطنية لتعزيز الحوكمة وصناعة القرار الاقتصادي

30 مشاهدة
المجلس الاقتصادي الأعلى في فلسطين... ضرورة وطنية لتعزيز الحوكمة وصناعة القرار الاقتصادي

الكاتب : د. سليمان جرادات

لم تعد التحديات الاقتصادية التي تواجه فلسطين مجرد أزمات ظرفية يمكن التعامل معها بإجراءات مؤقتة، بل أصبحت واقعًا معقدًا تفرضه إجراءات الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب تحديات داخلية تتعلق بالإدارة وتداخل الاختصاصات والحاجة إلى تنسيق أكبر بين المؤسسات ذات العلاقة .

وفي ظل هذه المتغيرات، تبرز الحاجة إلى إطار وطني يقود التفكير الاقتصادي ويعزز التكامل المؤسسي، وهو ما يجعل إنشاء المجلس الاقتصادي الأعلى الفلسطيني ضرورة وطنية لتعزيز كفاءة صناعة القرار الاقتصادي.

إن تعدد الجهات المعنية بالشأن الاقتصادي يفرض وجود مرجعية تنسيقية عليا تدعم الحكومة في رسم السياسات وإدارة الأزمات، وتضمن انسجام الخطط الاقتصادية وتكاملها، ومن هنا، تبرز أهمية إصدار قانون ينظم إنشاء المجلس الاقتصادي الأعلى، ويحدد اختصاصاته وآليات عمله، بما يضمن استمراريته ويجعله مؤسسة وطنية داعمة لجهود الدولة في التخطيط والإصلاح.

ويقترح أن يعمل المجلس تحت الإشراف العام للحكومة وبرئاسة رئيس الوزراء صاحب الاختصاص والخبرة  والتجربة في قيادة مؤسسات دولية أو ما يراه مناسبا من الكفاءات الحكومية ، ليكون ذراعًا استراتيجية مساندًا لمجلس الوزراء والوزارات والمؤسسات الرسمية، دون أن يحل محلها أو ينتقص من صلاحياتها، وإنما يزودها بالدراسات والتحليلات والبدائل التي تسهم في رفع جودة القرار الاقتصادي وتعزيز التنسيق بين مختلف الجهات الذي يضم ممثلين عن الوزارات الاقتصادية، وسلطة النقد، والقطاع الخاص، والغرف التجارية والصناعية، والنقابات المهنية، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والخبراء الاقتصاديين، بما يرسخ مبدأ الشراكة الوطنية ويضمن أن تستند السياسات الاقتصادية إلى المعرفة والخبرة والتوافق على ان تتمثل أهداف المجلس في إعداد رؤية اقتصادية وطنية طويلة المدى، ودعم الحكومة في صياغة السياسات والخطط التنموية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتحليل المخاطر الاقتصادية، واقتراح الإصلاحات التشريعية والإدارية، وتحسين بيئة الاستثمار، ودعم الإنتاج المحلي، وتعزيز الأمن الغذائي وأمن الطاقة، ورفع كفاءة القطاعين العام والخاص .

كما يتولى المجلس متابعة المؤشرات الاقتصادية، وإعداد تقارير دورية عن أداء الاقتصاد بشفافية للرأي العام، وتقديم التوصيات لصناع القرار، وإنشاء غرفة دائمة لإدارة الأزمات الاقتصادية، بما يعزز قدرة الدولة على التعامل مع المتغيرات المالية والتجارية وأزمات الطاقة وسلاسل الإمداد التي يعاني منها مجتمعنا الفلسطيني في الاونه الأخيرة .

وتزداد أهمية هذا المجلس في ظل ما يفرضه الاحتلال من تحديات متواصلة، تشمل التوسع الاستيطاني، وإقامة البؤر الاستيطانية، وإغلاق الطرق والمعابر، وتعطيل حركة التجارة، والسيطرة على الموارد، إلى جانب التهديدات التي قد تطال استقرار العلاقات المصرفية والمالية، وهي تحديات تتطلب وجود مؤسسة وطنية متخصصة قادرة على إعداد السيناريوهات والبدائل ودعم الحكومة في اتخاذ القرارات المناسبة.

ولا ينبغي النظر إلى المجلس بوصفه مؤسسة بيروقراطية جديدة، بل باعتباره بيت خبرة اقتصاديًا وطنيًا، يعمل إلى جانب الحكومة، ويوفر التحليل العلمي، ويستشرف المخاطر، ويحول الأزمات إلى فرص للإصلاح، بما يعزز كفاءة الأداء الحكومي ويرفع مستوى التنسيق بين المؤسسات.

إن إصدار قانون بإنشاء المجلس الاقتصادي الأعلى سيكون خطوة مهمة نحو ترسيخ الحوكمة الاقتصادية، وتعزيز الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية  والمجتمعية ، وبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات. فنجاح الاقتصاد الفلسطيني لن يتحقق فقط بتوفير الموارد، بل ببناء مؤسسات قوية، وتخطيط استراتيجي، ووحدة في القرار الاقتصادي. ومن هنا، فإن المجلس الاقتصادي الأعلى يمثل استثمارًا في المستقبل، ودعامة أساسية لتعزيز صمود الاقتصاد الفلسطيني وتحقيق التنمية المستدامة في مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية.

*رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراة في الوظيفة العمومية 

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية