يائير فولدش - في صباح السابع من أكتوبر وجدت ليلى (اسم مستعار، كما هي حال جميع الأسماء في التقرير) — وهي مواطنة عربية إسرائيلية من مواليد يافا في الأربعينيات من عمرها — نفسها في دير البلح وسط قطاع غزة. كانت قد وصلت قبل أيام قليلة فقط، وكانت تجمع الوثائق اللازمة للعودة والاستقرار نهائياً في إسرائيل مع أطفالها — وجميعهم حاصلين على الجنسية الاسرائيلية.
تقول: "خرجت البنات إلى المدرسة. لم نفهم ما الذي يحدث، ولا من يهاجم من. كان الأمر قاسياً جداً، وكل ما أردته أن يكون أطفالي إلى جانبي". على مدى الأشهر الثلاثة والعشرين التالية، بقيوا، بأعجوبة، على قيد الحياة. عاشوا معاً القصف، والجوع وموجات نزوح متكررة. واليوم تواجه ليلى تحدياً جديداً: مؤسسة التأمين الوطني ترفض الاعتراف بها وبثلاثة من أطفالها كمقيمين في إسرائيل. في هذه الأثناء يعيشون في شقة صغيرة في يافا، يعانون أعراض ما بعد الصدمة. لكن من دون إقامة، لا يحق لهم الحصول على أي مساعدة من الدولة.
تقول: "كنت أزور يافا مرتين أو ثلاثاً في السنة. في ذلك الوقت كان الدخول والخروج سهلاً. ومع مرور السنوات أصبح الأمر أكثر تعقيداً".
أنجبت طفلها الأول، أحمد، في مستشفى وولفسون الواقع بين يافا وحولون، في ابريل 2005 وبعد ثلاثة أسابيع حصلت على تصريح للعودة معه إلى غزة. وفي يوليو 2006 وُلدت ابنتها لينا. التي كانت تخطط لولادتها أيضاً في وولفسون، لكن الولادة جاءت مبكراً، فأنجبتها في مستشفى الشفاء في غزة. وفي زيارتها التالية لإسرائيل سجلتها في وزارة الداخلية كمواطنة إسرائيلية.
في عام 2007 تلقت ليلى إشعاراً من مؤسسة التأمين الوطني يفيد بسحب صفة الإقامة منها. وبعد عام ونصف، وفي ظل عملية "الرصاص المصبوب"، أنجبت طفلها الثالث زياد في مستشفى الشفاء، بعدما جُرّدت من حقوقها الاجتماعية في إسرائيل ولم تعد قادرة على تحمّل تكاليف الولادة هناك.
أما طفلتها الرابعة، شهد، فولدتها في قلقيلية عام 2013. تقول: "كانت ولادة مقعدية، وفي غزة لا يجرون عملية قيصرية في مثل هذه الحالات، فخفت". وقد سُجّل الطفلان أيضاً في السجل السكاني الإسرائيلي.
في تلك المرحلة بدأ الزوجان يفكران بجدية في مغادرة غزة نهائياً. وفي مطلع عام 2023 حملت ليلى مجدداً، وفي الوقت نفسه اكتُشف لديها ورم قرب الأذن. وبسبب وضعها الصحي قررت جمع تبرعات لتتمكن من الولادة في مستشفى وولفسون. رافقها أحمد وشهد، بينما بقيت لينا وزياد في غزة.
في يونيو 2023 جاءت إلى إسرائيل بهدف الاستقرار، وأنجبت ابنتها سوهى. وبعد أسابيع تقدمت بطلب إلى التأمين الوطني لاستعادة الإقامة لها، ومنح الوضع ذاته لأطفالها، إلا أن المؤسسة رفضت.
توضح مؤسسة التأمين الوطني أن تحديد الإقامة يعتمد، من بين أمور أخرى، على الأدلة التي يقدمها الشخص لإثبات أن "مركز حياته" في إسرائيل. وفي رد على استفسار صحيفة "هآرتس"، قيل إن ليلى "عاشت مركز حياتها إلى جانب زوجها الغزي والأسرة التي شكلاها. وفي طلبها الأول عام 2023 سعت للاعتراف بإقامتها، لكنها بعد فترة قصيرة عادت إلى غزة. كما ذكرت صراحة في الوثائق التي أرفقتها أنها جاءت إلى إسرائيل بصورة مؤقتة".
في سبتمبر 2023، بينما كانت ليلى تنتظر ردّ مؤسسة التأمين الوطني بشأن ملفها، بدأت تستعد للانتقال إلى يافا. وفي السابع والعشرين من الشهر — بعد يوم واحد فقط من إزالة الغرز خلف أذنها — عادت إلى قطاع غزة برفقة شهد وسهى، كي تصطحب معها لينا وزياد. أما أحمد فبقي في الشقة التي استأجروها في يافا، مترقّباً أن يجتمع قريباً بأمه وإخوته، من دون أن يدري أن عامين سيمرّان قبل أن يراهم مجدداً. أما والدته وإخوته، فقد فعلوا كل ما بوسعهم للبقاء على قيد الحياة حتى يحين اللقاء. ففي اليوم الثالث للحرب، حين اشتدّ القصف، قرروا النزوح غرباً إلى مدرسة قريبة من البحر. تقول ليلى: "بقينا هناك 28 يوماً. كنا سبع عائلات في غرفة صغيرة". وفي أحد الأيام قُصف مبنى مجاور للمدرسة. وتستعيد تلك اللحظة قائلة: "لم أكن أعرف إن كنت سأركض نحو شهد التي كانت في الساحة، أم نحو سهى التي كانت ترقد في سرير تحت المغسلة".
لاحقاً نزحت العائلة إلى رفح. وخلال تلك الفترة ظلّ زياد يشتاق إلى صديقه المقرّب خالد، الذي بقي قرب منزلهم في دير البلح. وعندما عادت الأسرة إلى الحي بعد شهر، اكتشف أن خالد قُتل. تقول ليلى: "خرج ليؤدي صلاة الفجر، كان فتى في السابعة عشرة، فسقط صاروخ عليه وعلى أبناء عمومته فقُتلوا جميعاً". وتضيف: "كان ذلك يوماً قاسياً جداً على زياد. وبدأت أنا أيضاً أخاف أكثر فأكثر على أطفالي".
منذ الأسبوع الأول للحرب، تروي ليلى، لجأت إلى عدة جهات في إسرائيل طلباً للمساعدة في إخراجها وأطفالها من غزة، من بينهم أعضاء كنيست وجمعيات حقوقية. تقول: "في أبريل أبلغونا من 'هموكيد' (مركز حماية الفرد، منظمة حقوق إنسان) أننا حصلنا على موافقة للخروج من رفح إلى مصر". وتتابع: "قلت للجمعية: حسناً، حتى لو بقي رامي في غزة، فأنا أريد الخروج من أجل الأطفال، وطلبت منهم أن يساعدونا للوصول إلى رفح".
وتستعيد إحدى اللحظات الفاصلة قائلة: "كنت أحضر الطعام. كانت تلك المرة الأولى منذ بداية الحرب التي نحصل فيها على لحم. قال لنا أحد الجيران إن علينا أن نغادر المنطقة فوراً. وعندما خرجت من البيت، احتضنت الجدران".
لكنها تقول إن الجمعية شرحت لها أن الصليب الأحمر لن يتمكن من مساعدة الأسرة للوصول إلى جنوب القطاع. "قلت لهم إنني لا أستطيع الخروج وحدي مع أطفالي. كان الوضع صعباً جداً"، تضيف. وهكذا بقيت في غزة، تواصل التوسل إلى الجهات في إسرائيل كي تساعدها. وفي أغسطس، صدر أمر إخلاء من الجيش في المنطقة التي كانت تقيم فيها.
المدرسة التي لجأوا إليها في المرات السابقة كانت مكتظة، فاضطرت العائلة إلى النزوح إلى خيمة قرب مستشفى شهداء الأقصى في المدينة. تقول ليلى: "كان الجو حاراً، ولم تكن هناك أي خصوصية. لم تكن هناك أيضاً مياه ولا نظافة". بعد أسبوعين فرّوا من هناك أيضاً، بسبب شائعات عن أمر إخلاء وشيك. فوجدوا غرفة صغيرة بلا نوافذ، فيها مرحاض ومطبخ ضيق قرب إحدى المدارس. وبعد بضعة أسابيع عادت العائلة إلى حيّها — لتجد نفسها أمام بحر من الخراب. تحدثنا ليلى وتقول: "كانت البيوت مثل قطع البسكويت، مكدّسة فوق بعضها". وتضيف: "لم نستطع دخول المنزل من الباب الرئيسي، لأن الأنقاض في الداخل سدّت الطريق. دخلنا من الباب الخلفي، ورأيت أن كل النوافذ والأبواب قد اقتُلعت من أماكنها".
تروي ليلى أن معظم أثاث المنزل دُمّر أيضاً، وأن الجدران الداخلية تشوّهت وتصدّعت. ومع ذلك، كان وضعهم أفضل بكثير من وضع معظم جيرانهم. "ثلاثة بيوت فقط تفصلنا، وهناك كان كل شيء قد سُوّي بالأرض"، تقول.
في الأسابيع التالية بقوا في منزلهم، وحاول رامي وزياد جعل الظروف محتملة. وفي تلك الأيام عمل زياد على عربة يجرّها حمار، يساعد في نقل الناس والبضائع داخل الحي مقابل مبلغ زهيد. وتحكي ليلى أنه في أحد الأيام سقط صاروخ قرب عربته، ولم يُصب بأذى إلا بأعجوبة. "المرأة التي كان يقلّها قُتلت في الانفجار"، تقول.
"تلقى رامي اتصالاً هاتفياً من شاهد عيان ظنّ أن زياد قُتل أيضاً، واستغرق الأمر وقتاً حتى عثر على ابنه سالماً." "قال لي: أمي، لقد تفتّتت إلى أشلاء"، تتذكر ليلى، ثم تضيف: "كيف يمكنه أن يرى أشياء كهذه؟ نحن الأب والأم، أول من يفترض أن يمنحهم الأمان — ولا نملك أي وسيلة للمساعدة".
بعد وقف إطلاق النار في يناير 2025، صدر أمر إخلاء جديد — وهذه المرة لمنطقة واسعة بشكل غير مسبوق. تقول ليلى: "كنا نعرف أن هذه المرة، حين نخرج، فإن المنطقة كلها ستُمحى تماماً". أثناء استعدادهم للنزوح، سقط صاروخ قرب المنزل. "كانت سها في ساحة البيت، وبأعجوبة لم يصبها شيء"، تقول ليلى، وتعدّد قائمة طويلة من القتلى بين جيرانها.
"كان ذلك إشارة واضحة إلى أننا يجب أن نرحل. قلت لرامي: الآن أخرج من هنا. انتهى الأمر".
في مايو بدأت المجاعة. تقول ليلى: "أصبح الطحين غالياً جداً، 200 شيكل للكيلوغرام". وتضيف: "خسرت 18 كيلوغراماً منذ بداية الحرب وحتى خروجي من غزة، وعانيت من نقص حاد في الفيتامينات".
وفي أواخر الصيف، رغم الخطر، قررت العائلة العودة إلى دير البلح، على أمل الاستعداد للشتاء. وخلال كل تلك الفترة كانت ليلى تكافح من أجل النجاة وإيجاد سبيل للخروج من غزة. واصلت مراسلة عشرات الأشخاص في إسرائيل — بلا جدوى. حينها نشأ تواصل بينها وبين المحامي رمزي إكتيلات من يافا. تقول: "كان مصدوماً حين سمع أنني في غزة، ووعدني بأنه سيتولى الملف من دون مقابل".
وقد أثمرت جهوده. ففي 10 أغسطس 2025 حصلت ليلى وأطفالها الأربعة على تصريح للخروج إلى إسرائيل. وعلى مدى شهر إضافي عمل إكتيلات على تنظيم ترتيبات سفر العائلة إلى معبر كرم أبو سالم.
"الصليب الأحمر رفض مساعدتي للوصول إلى المعبر"، تقول ليلى. وفي النهاية تواصلت امرأة إسرائيلية عند الحاجز معها ورتبت الأمور بسرعة. وبعد وقت قصير أبلغتها بأن قوة من اليونيسف ستأتي فجراً لجمع العائلة ونقلها إلى كرم أبو سالم.
وبعد نحو 12 ساعة من مغادرتهم دير البلح ووداعهم رامي بالدموع، وصلت ليلى والأطفال إلى الجانب الإسرائيلي من معبر كرم أبو سالم، ظهر 10 سبتمبر 2025، حيث التقت بهم عائلة من يافا جاءت لاستقبالهم.
عاجز عن النوم، يستيقظ مذعوراً
عامان من الحرب لم يضعا حداً لعذابات ليلى وأطفالها. رامي ما زال في دير البلح، فيما يحاول الأطفال التعايش مع آثار الحرب المتراكمة يوماً بعد يوم.
زياد، وفق تقرير موقّع من مستشارة المدرسة التي يدرس فيها في يافا، يحمل ندوباً عميقة من صدمات الحرب القاسية، وهو "يعيش على ذكرى جيرانه وأصدقائه الذين ماتوا، وعلى شوقٍ جارح إلى والده، وعلى صعوبة في التكيّف مع الواقع الجديد".
ويضيف التقرير أنه "يعاني من صعوبة في النوم ليلاً، وحتى حين ينجح في ذلك، فإنه يستيقظ مراراً على نوبات قلق وخوف، وذكريات صادمة، وإحساس خانق بالضيق". وبحسب التقرير، فإن زياد، طالب الصف العاشر، "لا يستطيع البقاء في البيت، فيخرج إلى الحديقة، يجلس وحيداً ويبكي". أما المدرسة التي تدرس فيها شهد، في الصف السابع، فتشير بدورها إلى معاناة نفسية حادة. "تُظهر شهد علامات ضيق عاطفي كبير تدل على صدمة لم تُعالج"، جاء في التقرير. "هي تعاني من قلق مستمر وخوف يكاد يكون دائماً. أي صوت في الصف أو في الساحة يربكها ويجعلها تشعر بأنها مهددة. تبكي كثيراً، ومزاجها حزين ومكتئب".
تشير التقارير، كما تشير ليلى نفسها، إلى الوضع الاقتصادي الصعب للأسرة، التي تعيش في شقة متواضعة في يافا. ورغم مرور نحو خمسة أشهر على عودتهم إلى إسرائيل، ورغم أنها تقدمت بطلب لاستعادة إقامتها في مايو 2023 — قبل أن تُحتجز في غزة في ظروف خارجة عن إرادتها — فإن مؤسسة التأمين الوطني ترفض الاعتراف بها وبثلاثة من أطفالها: شهد، زياد وسها، كمقيمين في إسرائيل، رغم أنهم مواطنون.
بعد أسبوعين تقريباً من عودتها إلى البلاد، قدمت ليلى طلباً جديداً لاستعادة الإقامة. وبعد ثلاثة أشهر، في الأول من يناير 2026، رفضت المؤسسة الطلب. وجاء في القرار: "تقرر عدم اعتبارك مقيمة في إسرائيل لأن دخولك إلى البلاد جاء نتيجة الحرب في غزة". وأضاف: "كما أنك متزوجة من زوج ما زال يعيش في غزة. يبدو أن دخولك إلى إسرائيل تم بدوافع شخصية، ولم يثبت نقل مركز حياتك إلى البلاد".
وفي الوقت نفسه، تقرر أن ليلى لن تحصل حالياً على مخصصات ضمان الدخل، التي هي بأمسّ الحاجة إليها، لأن "استحقاق مخصصات ضمان الدخل يتطلب أن تكوني مقيمة في إسرائيل وفق قانون التأمين الوطني لمدة 24 شهراً متواصلة. ولا يحق لك ذلك لأن قسم التأمين والجباية قرر أنك لستِ 'مقيمة في إسرائيل'".
هذه القرارات لا تُهين ليلى فحسب — وهي التي وُلدت وترعرعت هنا، وصارعت للخروج من الحرب على قيد الحياء وإيصال أطفالها إلى بر الامان — بل إنها، قبل كل شيء، تضرب قدرتها على ترميم حياة أطفالها والاستفادة من الخدمات الاجتماعية، من تأمين صحي ومخصصات مختلفة، يفترض أنهم مستحقون لها.
في الشهر الماضي، قدمت دعوى إلى المحكمة الإقليمية للعمل في تل أبيب ضد مؤسسة التأمين الوطني، مطالبة بالاعتراف بها كمقيمة. تقول: "يلومونني لأنني كنت هناك، رغم أن الدولة هي التي تخلت عنا ولم تمنحنا فرصة للخروج. أنا وُلدت هنا. لماذا يفعلون بي ذلك؟"
وجاء في رد مؤسسة التأمين الوطني: "يمنح التأمين الوطني الإقامة لمن يكون مركز حياته في إسرائيل، ولمن هم مقيمون فعلياً فيها، وليس لمن تعيش عائلته وأطفاله في منطقتين مختلفتين. الإقامة لا تُمنح بشكل مؤقت لمن ليس مقيماً دائماً، أو لمن لا يقدم الوثائق المطلوبة ولا يبرزها إلا أمام المحكمة".