الكاتب: سمير الجندي
يشكل مسلسل باب العمود من إنتاج مسرح الرواة تجربة درامية تتجاوز حدود المتعة البصرية إلى مساحة الفعل الثقافي المقاوم، حيث تتحول الشاشة إلى منبر دفاع عن الذاكرة والبيت والهوية في القدس، وتحديدا في قلبها النابض: البلدة القديمة.
بعد النجاح الذي حققه العمل في موسميه السابقين، يأتي الموسم الثالث ليطرح قضية شديدة الحساسية تمس صميم الوجود المقدسي، وهي ما يعرف بـ"قانون أملاك الغائبين". هذا القانون، الذي يستند إليه الاحتلال لتجريد المقدسي من بيته إذا ثبت أن جزءا من الملكية يعود لشخص خارج البلاد، لا يقدم في المسلسل بوصفه مادة قانونية جافة، بل باعتباره سيفا مسلطا على رقاب البيوت العتيقة، وتهديدا مباشرا للنسيج الاجتماعي والتاريخي للمدينة.
الدراما كأداة وعي
العمل لا يكتفي بعرض المأساة، بل يسعى إلى خلق وعي جمعي، خاصة لدى المالكين المقيمين خارج المدينة، بخطورة ترك الملكيات دون متابعة قانونية وإدارية دقيقة. هنا تتجلى وظيفة الدراما بوصفها أداة تحذير وتنبيه، لا مجرد وسيلة تسلية. فالقضية تطرح بأسلوب إنساني، من خلال قصص عائلات تواجه خطر الفقد، ليشعر المشاهد أن البيت ليس حجارة فحسب، بل تاريخ وهوية وامتداد وجود.
أداء تمثيلي يليق بالقضية
يبرز في العمل أداء الممثل القدير إسماعيل الدباغ، الذي يجيد تقمص أدواره بعمق لافت، متنقلا بين الانفعال الصامت والانفجار العاطفي بسلاسة تحسب له. حضوره يمنح الشخصية أبعادا نفسية مركبة، فيجعل المشاهد يتماهى مع صراعها الداخلي والخارجي.
كما تؤدي مايا أبو الحيات دورها بحضور متكامل ومقنع، فتملأ المساحة الدرامية بحساسية عالية وقدرة على تجسيد التوتر الإنساني بين الخوف والتمسك بالأمل. ويأتي أداء عدنان أبو أسنينة وبقية الطاقم ليؤكد أن الممثل الفلسطيني، رغم تواضع الإمكانات الإنتاجية، يمتلك أدوات احترافية قادرة على حمل أعمال ذات ثقل فكري ووطني.
المكان بوصفه بطلا
لا يمكن قراءة المسلسل دون التوقف عند المكان، الذي يتحول من خلفية صامتة إلى بطل حقيقي. أزقة البلدة القديمة، ولا سيما أزقة حارة السعدية، ومخبزها العتيق، ليست مجرد مواقع تصوير، بل فضاءات ذاكرة حية. الكاميرا تعانق الجدران الحجرية كما لو أنها تحفظ وصايا الأجداد، وتلتقط تفاصيل الحياة اليومية التي تجسد قيم التعاون والإيثار والانتماء والأخوّة.
المكان هنا ليس ديكورًا؛ إنه شهادة تاريخية. فكل حجر يروي حكاية صمود، وكل باب خشبي عتيق يحمل آثار أيد تعاقبت عليه عبر الأجيال. وبهذا المعنى، يصبح الدفاع عن البيت دفاعا عن المدينة بأسرها.
بين تواضع الإمكانات وثراء الرسالة
رغم محدودية الموارد الإنتاجية، ينجح "باب العمود" في إثبات أن القيمة الحقيقية للعمل الفني لا تقاس بحجم الميزانية، بل بصدق الرسالة وعمق المعالجة. إنه نموذج لدراما ملتزمة، تنطلق من وجع الناس الحقيقي، وتحاول أن تعيد تشكيله في صورة فنية قادرة على التأثير.
في المحصلة، لا يقدم الموسم الثالث من "باب العمود" مجرد قصة جديدة، بل يضع المشاهد أمام سؤال وجودي: ماذا يعني أن تفقد بيتك في مدينة تنتزع من أصحابها بالتدرج؟ وهل يمكن للوعي أن يكون خط الدفاع الأول قبل أن يغلق الباب الأخير؟
إنه عمل يذكرنا بأن معركة القدس ليست فقط في الشارع أو في أروقة المحاكم، بل أيضا في الكلمة والصورة والوعي الجمعي.



