الخليل- قيس أبو سمرة - قلب البلدة القديمة بمدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية يتحرك عمال ومتطوعون في التكية الإبراهيمية كخلية نحل لإعداد الطعام وتوزيعه على المستفيدين في شهر رمضان، وسط تزايد أعدادهم بنسبة تتجاوز 30 في المئة عن العام السابق نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية في الضفة.
بينما يعمل البعض على إعداد وجبات الطعام الساخنة من اللحوم والأرز والشوربة، يقوم آخرون بترتيب صفوف المستفيدين لضمان ملء أطباقهم بالكامل.
وشعار القائمين على التكية: "لا أحد يقصد باب التكية ويرد بطبق فارغ".
ويقول حازم مجاهد مدير التكية: "المكان إنساني ومعلم حضاري وديني كونه مرتبطًا بسيدينا ابراهيم عليه السلام عندما استقر في الخليل".
ويضيف: "التكية في اليوم العادي خارج رمضان، تخدم نحو 4 آلاف شخص، أما في رمضان فيصل العدد إلى 5 آلاف يوميًا".
ويشير إلى أن النفقات الشهرية للتكية تبلغ نحو 250 ألف شيكل (80 ألفا و600 دولار).
ويتابع: "نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية في الضفة تضاعفت نسبة الوافدين حتى وصلنا إلى 5 آلاف شخص يوميا"، مشيرا إلى أن "هناك من كانت أحوالهم المادية جيدة لكنها ضعفت واليوم يترددون على التكية".
ويلفت إلى أن الوافدين زادوا بنسبة 30 في المئة خلال رمضان الجاري "نتيجة التأخر في صرف الرواتب وصرفها بعد ذلك بنسبة لا تتجاوز 60 في المئة، والظروف الاقتصادية الصعبة تجعل الحاجة ملحة للتكية، ونحن نحرص على خدمة الجميع".
ومنذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، يتسلم الموظفون العموميون في فلسطين، وهم 147 ألف موظف مدني وعسكري، أجورا منقوصة؛ بسبب عجز الحكومة جراء ممارسات إسرائيلية عن توفير إيرادات مالية تكفي كامل فاتورة الأجور.
من جانبه يقول خضر شبانة أحد المستفيدين من التكية: "أنا وغيري من الموظفين والعمال بحاجة إلى التكية فهي تسد احتياجات الجميع، ساعدتني كثيرًا في الظروف الصعبة، حيث توفر وجبة يومية يمكن الاعتماد عليها".
ويضيف شبانة للأناضول: "هناك من يأتي من خارج البلدة أيضًا نتيجة الأوضاع الصعبة، وعدم وجود رواتب، أصبحنا نتردد على التكية، ونحمد الله على وجودها".
ويشير إلى أنه كان يعمل في مخبز، ومنذ اندلاع الحرب في غزة توقف عن العمل، واليوم هو دون عمل "تقريبا".
ويحمل شبانة في يده إناء ويقول: "في كل يوم أملأه بالشوربة واللحم كوجبه رئيسية لعائلتي".
من جانبه، يقول وسام الكرد من لجنة إسناد التكية: "اللجنة تشكلت من وزارة الأوقاف، ومؤسسات الغرفة التجارية وملتقى رجال الأعمال، وكلهم متطوعون لخدمة التكية".
ومع مرور نحو عامين ونصف منذ حرب الإبادة في غزة التي بدأت في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وتأثيرها على الضفة الغربية ازدادت الحاجة إلى التكية، وتضاعف عمل الخير من المحسنين، وفق الكرد.
ويضيف "الكمية التي كانت 300 كيلو يوميًا من اللحم قبل الحرب أصبحت اليوم 700 كيلو، كل ما نقدمه طازج، ونحرص على تقديم الأفضل للمستفيدين".
ويشير إلى أن "هناك فئات جديدة من المستفيدين يأتون ليس فقط من الخليل، بل من محافظات أخرى، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدانهم وظائفهم"، لافتا إلى أن "المتبرعين يسابقون الزمن لتلبية الطلب، ونزيد الكميات يوميًا لضمان رضا الجميع".
ومع احتضانها للتكية الإبراهيمية، يردد الفلسطينيون أن الخليل مدينة "لا ينام فيها إنسان وهو جائع" وتعمل التكية على مدار العام، وتتضاعف نشاطاتها في رمضان، حيث تحظى بشهرة واسعة محليًا.
ويعود اسمها إلى المسجد الإبراهيمي المجاور لها في البلدة القديمة، والذي يحمل اسم النبي إبراهيم عليه السلام.
وأُسست التكية إبان حكم الأيوبيين بين عامي 1174 و1250 ميلادية، إلا أن التكايا ازدهرت خلال الحكم العثماني، وتعددت وظائفها بين إقامة حلقات الذكر وإطعام الفقراء وعابري السبيل، قبل أن تقتصر وظيفتها في العصر الحديث على إطعام الفقراء، خاصة في رمضان.
وفي 2017، أعادت الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) تأهيل مبنى التكية الإبراهيمية، حيث تم توسيع المطبخ وتخصيص قاعات لتوزيع الطعام، ووزعت الوكالة 400 قطعة من أوعية "السفرطاس" لحمل الطعام على المستفيدين من وجبات التكية.



