تل ابيب-ترجمة -واثق نيوز-قالت الكاتبة في صحيفة "هآرتس" العبرية سنائيت غيسيس ، ان أطفالا مع كلب بين أنقاض مخيم النصيرات. ومن بين الأطفال الذين أُصيبوا — ولا يزالون يُصابون — من يحتاج بصورة عاجلة إلى علاج طويل الأمد ومعقّد لإعاقاتهم ن مؤكدة ان اسرائيل تواصل القضاء على الجيل المقبل من اطفال القطاع .
وجاء في المقال الذي ينشره "واثق نيوز" لأهميته لما تضمنه من موقف متقدم ضد الجرائم الاسرائيلية ومن معطيات هامة : في مطلع فبراير/شباط 2026، تبنّى ضابط رفيع في الجيش الاسرائيلي تقديرات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة لأعداد القتلى في الحرب بوصفها صحيحة في جوهرها، وبذلك أُسدِل الستار على محاولات التشكيك في مصداقية الأرقام تفاديًا لمواجهة تبعاتها القاسية. لا يُعرف كم من المفقودين ما زالوا على قيد الحياة، وكم منهم محتجزون في إسرائيل. وفي تقريره في نهاية الأسبوع الماضي، ناقش دان نير حسون الجدل حول الأعداد وتركيبة الفئات التي تشملها. أمّا أنا فأرغب في الكتابة عن الأطفال، الذين يشكّلون مع النساء وكبار السن نحو 56.2% من مجمل القتلى، وعلى الأرجح نسبةً أعلى من إجمالي الوفيات غير الناجمة مباشرة عن القتل الحربي.
المسألة لا تتعلّق بالماضي فحسب، بل بالحاضر والمستقبل أيضًا. في الحاضر، لأن القتل مستمر رغم ما يُسمّى "وقف إطلاق النار"، وتشير المعطيات حتى الآن إلى أنّ نسبة الأطفال والنساء بين الضحايا ما تزال تقارب تلك التي سُجّلت قبل الإعلان الرسمي عن الهدنة — نحو ثلثي الضحايا. وفي المستقبل، لأن القتل والتجويع والتعطيش والدمار تخلّف آثارًا بعيدة المدى على أطفال الأجيال المقبلة.
تتباين التقديرات بشأن عدد الأطفال الذين تلقّوا العلاج من إصاباتهم في غزة، لكنها جميعًا تشير إلى أعداد هائلة. وبين الأطفال الذين أُصيبوا — ولا يزالون يُصابون — من يحتاج بصورة عاجلة إلى علاج طويل الأمد ومعقّد لإعاقاتهم، وهو علاج لا يملك النظام الصحي في القطاع، بحالته الراهنة، القدرة على توفيره. ولا يقتصر الأمر على الجرحى: فقد أُصيب كثير من الأطفال بأمراض خطيرة للغاية خلال الحرب، سواء بسبب ظروف حياتهم القاسية أو لأنهم وُلدوا ونشأوا في أوضاع لا تُحتمل. ويُضاف إليهم أطفال كانوا يعانون أصلًا، قبل الحرب، أمراضًا مزمنة وخطيرة، من السرطان إلى الاضطرابات الأيضية، ولم يتلقّوا منذ اندلاعها سوى علاج جزئي ومحدود.
يوجد اليوم في قطاع غزة نحو 11 ألف طفل يعانون إعاقات ناجمة عن الحرب، لن يتمكّنوا من البقاء في ظروف الحياة القاسية من دون رعاية طبية متقدمة، إضافة إلى نحو أربعة آلاف طفل مصاب بأمراض مختلفة سيواجهون خطر الموت من دون علاج معقّد، وفق معطيات Consortium of Universities for Global Health في الولايات المتحدة.
يعاني النظام الصحي في قطاع غزة، ولا سيما المستشفيات والعيادات والأطباء والطواقم الطبية، منذ اندلاع الحرب من هجمات متواصلة تعكس لامبالاة مطلقة من جانب إسرائيل إزاء حياة البشر وإزاء قدرة المنظومة الصحية في القطاع، بمؤسساتها وكوادرها، على أداء مهامها. ويأتي ذلك في ظل غياب أي جهد جدي من قبل دولة إسرائيل للتمييز بين المؤسسات والطواقم المنقذة للحياة وبين أي نشاط تخريبي معادٍ.
حالياً لا يعمل سوى 18 مستشفى من أصل 36 كانت قائمة في القطاع، وذلك بشكل جزئي، فيما يعمل بعضها داخل مبانٍ متضررة جزئياً. وقد قُتل أكثر من ألف طبيب وعنصر من الطواقم الطبية، واعتُقل العشرات، بمن فيهم خلال العام الأخير، وهم محتجزون في مراكز الاعتقال داخل إسرائيل في ظروف تهدد حياتهم. كما استهدفت إسرائيل أطباء بارزين ورؤساء مستشفيات وقادة القطاع الطبي في غزة. ومن أبرز الحالات المعروفة: محمد أبو سلمية، مدير مستشفى الشفاء، الذي اعتُقل سبعة أشهر في معتقل سديه تيمان حتى صيف 2024، والدكتور مروان السلطان، مدير المستشفى الإندونيسي، الذي قُتل مع أفراد عائلته جراء إصابة مباشرة لمنزله في يوليو 2025 بعد عودته من عمله في المستشفى.
وبعد خمسة أشهر على بدء وقف إطلاق النار الهشّ، تواصل إسرائيل منع الإمداد المنتظم والكافي، وفق الاحتياجات، بالأدوية والمستلزمات الطبية، بما في ذلك مواد التخدير اللازمة للعمليات الجراحية، فضلاً عن الأجهزة الطبية الحيوية، وذلك بذريعة احتمال "الاستخدام المزدوج". وإذا كانت إسرائيل تسعى إلى منع أي استخدام عسكري محتمل لمثل هذه المعدات، فقد كان يتعيّن عليها أن تتحمل المسؤولية عن واقع الرعاية الصحية في قطاع غزة، باعتبارها لا تزال القوة القائمة بالاحتلال، التي تقع على عاتقها المسؤولية أيضاً عن توفير العلاج الطبي بموجب القانون الدولي.
كما تبذل إسرائيل جهوداً لتقويض التضامن الطبي الدولي الذي انتظم لتقديم المساعدة. فهي تحرم في حالات كثيرة أطباء اختصاصيين متطوعين من أنحاء العالم من الدخول إلى القطاع لفترات محددة وقصيرة سلفاً، وتحظر عليهم إدخال مواد علاجية أساسية. وفي الآونة الأخيرة، تعمل إسرائيل على إخراج جميع المنظمات الإنسانية الدولية العاملة في القطاع، بما في ذلك جهات قدّمت على مدى سنوات طويلة إسهاماً حيوياً في المجال الطبي، وفي مقدمتها أطباء بلا حدود، فضلاً عن منظمات هبّت لتقديم العون والإنقاذ وتزويد القطاع بالمعدات الطبية. وفي يناير، أعلنت إسرائيل سحب تراخيص عمل 37 منظمة إغاثة إنسانية، وطالبت القائمين عليها بمغادرة القطاع.
على مدى سنوات طويلة، أحال النظام الصحي في غزة المرضى ذوي الاحتياجات الخاصة والحالات المعقدة إلى المنظومة الصحية الفلسطينية في القدس الشرقية ورام الله، ولا سيما الأطفال. وبما أن دولة إسرائيل لم تكن تسمح للوالدين الشابين بمرافقة أطفالهما، كان الأطفال يُرافقون من قبل الأجداد والجدات بعد خضوعهم لفحوص أمنية مشددة. وبعد استكمال العلاج، كان جميع المرضى ومرافقيهم يعودون إلى قطاع غزة. وقد تكفلت شبكة من التبرعات، إلى جانب السلطة الفلسطينية وجهات دولية مختلفة، بتغطية تكاليف هذه العلاجات.
في ظل الواقع القاسي الراهن، أعلنت المستشفيات الفلسطينية في الضفة الغربية، وكذلك مستشفيات في دول الخليج والسعودية، مجدداً استعدادها لاستقبال الأطفال ومرافقيهم، شريطة عودتهم إلى غزة بعد انتهاء العلاج. غير أن إسرائيل قيّدت جميع هذه الإمكانات، وباستثناء نحو مئتي شخص وُصفوا بأنهم من "المحظوظين" الذين تمكنوا من الخروج إلى مصر خلال الفتح الأخير لمعبر رفح، تُرك معظم الجرحى والمرضى المحتاجين إلى رعاية طبية لمصيرهم.
يمكن الافتراض أنه لو استطاعت إسرائيل أن تضمن عدم عودة من يغادرون القطاع لتلقي العلاج، لسمحت لهم بالخروج من دون تردد. ويُخشى أنه لو تمكنت أيضاً من إسكات جميع العاملين في المنظمات الدولية داخل غزة، ومنع الأطباء المتطوعين من نقل ما يشاهدونه ونشر أي معلومات عمّا يجري في القطاع، ولا سيما في منظومته الصحية خلال الحرب، لسمحت لهم بمواصلة عملهم من دون قيود. لكن يبدو أن تفريغ القطاع من سكانه وإسكات الشهود على الإبادة يحظيان بأولوية أكبر لدى إسرائيل من تقليص، ولو بالحد الأدنى، حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة في غزة.
وفي هذه الأثناء، يتواصل القضاء على الجيل المقبل من أطفال غزة.
* باحثة ومحاضِرة في معهد كوهين لتاريخ وفلسفة العلوم والأفكار في جامعة تل أبيب