نابلس ـ واثق نيوز- تقرير : سهير سلامة ـ ظاهرة هدم المنازل وتغريم أصحابها، وجعلهم بين معاناة الحلم الضائع، والركض وراء ايجاد مأوى يضمهم وعائلاتهم، اصبحت من اكثر ما يؤرق المواطن، الذي ما ان انتهى من بناء بيت العائلة، ومسكن يضمه وابناؤه، ليصحو على قرار يحاك ضده في الخفاء، وليجد نفسه بلا غطاء، بات موقنا انه في معزل من غدر الزمان، بتأمينه سكن الامن والأمان الذي لطالما سعى وكابد طوال سني عمره، ووضع الغالي والنفيس في سبيل ان يحقق حلمه في العيش الكريم، ليجد سرابا ووهما.
من ابشع صور المهانة والذل، ان ترى حلمك وقد انهار حجرا حجر، امام عينيك، وانت تنظر، ولا تستطيع ان تحرك ساكنا، هذه ضريبة الوطن، وهذا كل ما ينتظرنا نحن الفلسطينيين على ارض لنا ولا نملكها.
" الي بعز علي إني مش خسرت دار، خسرت تعب سنين"، بهذه الكلمات القليلة، بادر صاحب الوجه البشوش مرسال حطاب، بائع الزهور، في مدينة نابلس، بالقول، ووجهه يعتصر ألما، كلما لاح الى ذهنه قرار الهدم والاخطار، الذي وجه له ولابنائه بهدم منازلهم، من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، باعتباره صاحب بناء يقع داخل حدود منطقة "ج" ، في حي التعاون العلوي، في المدينة.
ويقول اشرف حطاب الابن الثاني لمرسال والذي يجاور منزله منزل أبيه، انه ومنذ العام ٢٠١٥، والبناء قائم وطوال فترة البناء لم يتم ابلاغنا باي امر او قرار، الى ان فوجئنا قبل اربع سنوات وفي العام ٢٠٢١، بوقف البناء على جميع المنازل الموجودة في الحي، بادعاء انها منطقة "ج"، وطوال الفترة السابقة ونحن نقدم الاوراق الثبوتية، ولكنها تقابل بالرفض القاطع، وفي كل مرة لسبب، وتبرير فارغ، الا انه ومن فترة ٨ اشهر، اتصلوا بنا من جمعية القدس لحقوق الإنسان، واخبرونا انه صدر امر بهدم منازلنا، وتكليفنا بدفع غرامة مالية قيمتها ١٠.٠٠٠ شيكل، ولكننا لم نفقد الامل، ولجأنا الى هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ومن وقتها ومن مدة ٨ اشهر ونحن نفاوض ولا امل بالتغيير، وتم ابلاغنا بانه يجب الإخلاء المباشر وبلا مهلة، وبعد الاستئناف استطعنا ان ننتزع مدة لآخر شهر كانون الأول كمهلة لاخلاء منازلنا وعفشنا، ومع تواصلنا مع الشؤون المدنية، عثرنا عن طريقهم على مخططات تثبت ان هذه الارض تقع ضمن حدود مناطق "ب" وليس " ج" كما يدعي الاحتلال ، وتم عرضها على لجان مختصة، ولكن الجانب الإسرائيلي لا يريد الاعتراف بها.
ومرسال حطاب ليس الوحيد ولا هو الثاني ولا الثالث، ولكن القائمة تطول، فهناك ٢٦ عائلة ومنزل قدمت لهم هذه الاخطارات، وبنفس الحجة والدعوى، الا وهي انهم يقطنون مناطق ما تسمى حسب تقسيم اتفاقيات اوسلو عام ١٩٩٥، الى مناطق "ج"، والتي تعود ملكية التصرف فيها للجانب الإسرائيلي اداريا وامنيا.
ويقول ليث العابد صاحب احد المنازل المخطرة بالهدم في المنطقة، ان امر الهدم الصادر من المحكمة العليا الإسرائيلية الاخير، طال ثلاثة منازل للعائلة، تتضمن ٦ شقق، تقطنها ٦ عائلات، وفيها ١٥ فردا تقريبا، سيبقون بلا مأوى بعد ما شردوا من بيوتهم ومنازلهم، وبرغم الوضع المالي والاقتصادي الصعب الذي يعانونه، فانهم باتوا يبحثون عن بيوت للإيجار، ويوجد في الحي ١٦ منزلا مخطرا بالهدم، حيث تم هدم حتى الان ٦ منازل، لانه وبحسب ادعائهم، فان المنطقة مصنفة "ج" وهذا باطل، ويوجد لدينا خرائط مع تقارير ووثائق رسمية، من مراكز هندسية خارجية مرخصة، للعمل في مناطق الضفة تثبت ذلك، ولكن تعنت ورفض الاحتلال يجعل من الامر معقدا جدا، ولا يسمح بعقد جلسات فنية للخبراء والفنيين ويتهرب من الحقيقة .
ويضيف العابد انهم قاموا بالتوجه لكافة المؤسسات للضغط ومناقشة ما يجري على الارض، ومراجعة هذه التقارير، ولكن الغطرسة الإسرائيلية بالمرصاد دائما، وفي كل مرة هناك حجج وهمية، انها منطقة أمنية، وبناء غير مرخص، وبذلك يكون الحي بالكامل مهدد بالهدم، والاخلاء القسري لسكانه.
ويطالب ليث العابد الذي هدم بيته، جميع مسؤولي اللجان الفنية بالتعميم على جميع من يقوم بشراء اراضي للبناء ان يتحروا بناء مساكنهم، لأن هناك خطأ في تفسير الخرائط عند الإسرائيليين، حيث ان هناك أكثر من ٩٥ الف منزل مهدد بالهدم، على طول الارض الفلسطينية، وليس فقط هذا الحي، فيجب حماية ما تبقى، اذ ان هذا الامر ليس بالسهل، ولا بالهين، بل كبير وكبيرا جدا، ان تهدم بيوتا ومنازل وتشرد عائلات وهي تقطن منطقة "أ" داخل حدود مناطق تابعه للسلطة الفلسطينية.
وعند النظر الى ارض الواقع، وعلى مقربة من هذه المنازل، ترى عينك "مستوطنة براخا"، التي تمتد وبشكل كبير وملحوظ، وخلال اشهر قليلة ماضية لتلتهم المزيد من الأراضي، غير ابهة باحوال من يقطنها او يجبر قسرا على الاخلاء، والنزوح عن أرضه وتعب عمره وسنينه التي امضاها في وضع الحجر فوق الحجر لتحقق حلمه في العيش بأمان.
فما يجري في مدينة نابلس، ينطبق على ما يجري في عموم محافظات الضفة الغربية، من سياسات هدم المنازل المستمر والمتواصل، بحجة الدواعي الأمنية، في كل مرة.