آراء

غزة.. شوارع تمشي بين الجنائز

129 مشاهدة
غزة.. شوارع تمشي بين الجنائز

الكاتب : أحمد دخيل

نقسو على أرضنا إذا طالبناها بحفظ أسماء أكثر مما تتسع له ذاكرتها.
 فالأرض مهما اتسعت، تحفظ الأثر الذي تتركه الأرواح وهي تعبرها، وهذا في فلسطين يبدو مختلفًا، هناك يصعد التراب إلى الشهيد، فالأرض ضاقت بما يُلقى عليها من وجع، وتحاول أن ترتقي إلى مقام من يسكنها.

اليوم، كانت الجنازة، والجنازة وداع، ما جرى كان مختلفًا، كانت لقاءً طويلًا بين الأرض وأبنائها، لقاءً أثقل من أن تحتمله اللغة، وأصدق من أن يرويه العدد. مئة واثنا عشر اسمًا من عائلتين، وثلاثمئة وثمانية أرواح أُخرجت من تحت الركام، هي حياة كاملة انكسرت دفعة واحدة، حتى خُيِّل للمدينة أن أسماءها صارت أكثر من شوارعها.

ومن بعيد، كان العالم ينظر كما ينظر المسافر من نافذة قطار إلى شجرة منفردة، يراها لحظة ثم تمضي به السرعة إلى منظر آخر.
 أما فلسطين، فلا تملك رفاهية العبور، إنها الشجرة نفسها، منذ قرن، واقفة في مهب الريح، لأنها لا تعرف مكانًا آخر يمكن أن تقف فيه.

وربما كانت المأساة الكبرى أن الإنسان يموت حين يعجز العالم عن رؤيته إلا رقمًا. 
فمنذ اللحظة التي يُستبدل فيها الاسم بالإحصاء، تتوالى الخسارات، لتبدو أشد قسوة من الموت نفسه، فالموت يسلب الإنسان عمره، والرقم يسلبه فرادته، ليحوله إلى خانة في دفتر لا يعرف البكاء.

ولعل التاريخ كله يبدو صراعًا بين من يكتب أسماء الناس، ومن يمحوها. بيد أن فلسطين، ومنذ أن عرفت نفسها، وهي تقاوم النسيان أكثر مما تقاوم الموت، فالموت نهاية فرد، والنسيان موتٌ للمعنى، وإذا مات المعنى، لم يبق من الإنسان إلا ظلٌّ هش في ذاكرة تجهل أصحابها.

إن أكثر ما يدهش في فلسطين كثرة الحياة التي تنهض بعد الموت، رغم ألم الفقد، كأن هذا الشعب تعلّم البقاء أكثر من تعلّمه النجاة. والبقاء منزلة أعلى، فالناجي تدرّب على الهروب من العاصفة، والباقي تدرّب على أن يكون جذرًا، حتى إذا اقتُلعت الأغصان، ظل التراب يعرف إلى أين يعيد الربيع.

في داخل الخط الأخضر، تدور المعركة باللغة أيضًا، فالاحتلال يسعى إلى أن يأخذ صورة صاحب الأرض بعد احتلالها، ويحاول أن يجعل الفلسطيني يعتذر عن وجوده، وأن يحمل عبء الجريمة التي وقعت عليه، وأن ينظر إلى نفسه كما يريد جلاده أن يراه: مشكلةً ينبغي تدبيرها، لا إنسانًا ينبغي إنصافه. وهذه أخطر صور الاحتلال، لأن احتلال الوعي أبقى من احتلال الحدود.

وفي الضفة الغربية، تبدو الحقول كأنها تحفظ أسماء أصحابها أكثر مما تحفظها السجلات. 
كل شجرة تحفظ يد غارسها، لذلك تبدو الخرائط التي ترسمها القوة عاجزةً عن قراءة ذاكرة الأشجار، هناك يُطلق المستوطنون إلى القرى كما تُطلق النار في الهشيم، في محاولة لإجبار المكان العصي على نكران أهله.

وفي غزة حكاية، كلما حاول العالم أن يضع لها نهاية، استعادت بدايتها. الطائرات التي تهدم البيوت تعجز عن هدم العلاقة الخفية بين الإنسان ومكانه. فالبيت هو الزمن الذي عاشه الفلسطيني بين جدرانه، وإن تهدمت الجدران، يبقى الزمن معلقًا في الهواء، ينتظر من يبنيه من جديد.

ولذلك صار الركام في غزة ذاكرةً عارية، كل حجر مقلوب يخفي وراءه اسمًا، وكل نافذة محطمة ما تزال تطل على صباح لم يأتِ، حتى الصمت هناك يبدو كلامًا لم يجد فمًا يقوله بعد.

وفي مكان آخر من هذا العالم، قد يتوقف بثُّ الفضائيات لساعات طويلة بسبب نافذة متجر تحطمت، أو لأن صفارة إنذار دوّت في مدينة آمنة، فتستنفر الحكومات، وتُعقد المؤتمرات، وتخرج التظاهرات دفاعًا عن الحق في الحياة. 
أما هنا، تُنتشل العائلات كاملةً من تحت الأنقاض، ويشيخ الخبر قبل أن يصل إلى ضمير العالم، لأن الدم كلما ابتعد عن مراكز القوة، طال الطريق بينه وبين العدالة.
وحده الإنسان اخترع ميزانًا يختلف فيه وزن الدم باختلاف صاحبه، فصارت العدالة بعين واحدة.
ومع ذلك، فإن الظلم، مهما طال، سينتهي لأنه يعيش على القوة، والقوة تستهلك نفسها، أما الحق فيعيش على المعنى الذي لا يشيب.
 ولعل لهذا السبب بقيت أسماء كثيرة في ذاكرة البشرية، لأنها رفضت بيع حقيقتها حين ضاقت بها الأرض.

يتجلى الخطأ القديم في أن الإنسان ينظر إلى الشهادة بعين الجسد وحده، ويظن أن الذي يُوارى في التراب قد انتهى، مع أن التراب نفسه لا يؤمن بذلك. فمنذ خُلقت الأرض، وهي البارعة في الاحتفاظ بما يُزرع فيها، وما أوسع الفرق بين الدفن والزراعة، الأول فعل نهاية، والثاني وعد بداية. ولعل الشهداء هم البذور الوحيدة التي كلما غابت في الأرض، اتسعت السماء.

ولذلك تخاف الأمم العظيمة من النسيان أكثر من خوفها من المقابر، لأن القبر يغيب صاحبه عن العين، والنسيان يغيب المنسي عن القلب. وما خرجت أمة من التاريخ لأن أبناءها ماتوا، لكنها حتمًا خارج التاريخ إذا نسيت لماذا عاشوا. 

ومن هنا تخطئ القوة حساباتها دائمًا، حين تحصي الحجر، ولا تحصي الحنين. تعرف عدد البيوت التي هدمتها، ولا تعرف عدد البيوت التي أُعيد بناؤها في قلوب أهلها.
 هي قادرة على إسكات الأصوات، بينما لا تملك سلطانًا على الصدى، ذاك الذي يسكن الزمن، والزمن أكثر عنادًا من الجيوش.

لهذا يبدو التاريخ، بعد كل حرب، ساخرًا من المنتصرين، وما أكثر الذين ربحوا المعارك وخسروا الذاكرة، وما أكثر الذين خسروا كل شيء إلا الحقيقة، فربحوا الزمن كله.

ليس مستهجنًا وقوف فلسطين اليوم عند الباب الذي يفصل الأرض عن الضمير. 
إنها لا تطلب من العالم أن يحمل عنها جراحها، ولا أن يقتسم معها أحزانها، لكنها تسأله سؤالًا واحدًا أثقل من الجبال:
أيُّ إنسانٍ يبقى فيك، إذا احتجت إلى سببٍ كي ترى إنسانية إنسانٍ آخر؟
وربما يتأخر الجواب، فالحقائق الكبرى تولد في الصمت الذي يليها. 
عندما يخفت صخب البيانات، وتفرغ المنابر، وتعود الكلمات إلى معاجمها، سيبقى سؤال واحد يتردد في ضمير هذا العصر: هل كان العالم يرى ما يحدث، أم كان يرى نفسه وهو يتجنب النظر؟
لهذا، حين يكتب المؤرخون يومًا سيرة هذا العصر، فستكون أكثر أوراقهم وجعًا تلك التي تروي كيف ضاقت اللغة عن حمل الحقيقة.
 سيكتشفون أن العالم يُهزم يوم يعتاد أن يزن الإنسان بميزان المصالح، ليسمّي ذلك حكمة، ويسمّي صمته حيادًا.
غير أن التاريخ يملك فضيلة لا تملكها السياسة: طول النفس. فهو ينتظر حتى تهدأ الجيوش، وتصدأ البنادق، وتتحول المنابر إلى خشب، ثم يبدأ حكمه. وعندئذ يسأل: من بقي وفيًّا للإنسان حين أصبح الوفاء له مكلفًا؟
ولهذا لا نخشى على فلسطين من النسيان، ما دام في الأرض طفل يسأل أمه: لماذا يعود الناس من الجنازات أكثر صمتًا مما ذهبوا؟ لأن الأمم الكبيرة تحفظها الأجوبة التي تورثها الأمهات لأطفالهن، كما يورثن أسماءهم الأولى. وما دام السؤال حيًّا، فلن تستطيع المقابر أن تكون كلمةً أخيرة.

لهذا تبدو فلسطين أكبر من جغرافيتها، لأنها ضمير هذا العصر، وهي المرآة لاختبار الإنسانية.
 فمن وقف أمامها ورأى شعبًا، فقد ربح قلبه، ومن وقف أمامها ورآها خبرًا عاجلًا، فقد خسر شيئًا لا تعيده إليه الأيام.

ولعل الخطأ أن نظن أن الركام هو آخر ما تتركه الحروب، فإن آخر ما تتركه الحروب سؤال يظل معلقًا في الهواء، ينتقل من جيل إلى جيل، حتى يعثر على ضمير يملك شجاعة الإجابة.

أما الحجارة فتتعلم مع الزمن كيف تعود بيوتًا، والأرواح التي صدقت تعرف الطريق إلى الخلود دون أن تسأل أحدًا عنه.
وسيمضي الذين ظنوا أن القوة تكفي لكتابة التاريخ، كما مضى قبلهم الكثير. وستبقى أسماء أخرى، لأنها رفضت أن تسقط في المعنى. والتاريخ يتذكر من جعل الحياة أصدق.
وعندما تنفض الأرض غبارها ذات صباح، سيكون السؤال:
هل كان الإنسان، يوم امتحنته فلسطين، على قدر إنسانيته؟
فإن كان الجواب نعم، فقد نجا العالم من نفسه، وإن كان الجواب لا...فلن تخسر فلسطين.