محليات

هآرتس: السلطة الفلسطينية... لا نستبعد استهدافاً إسرائيلياً لرجالنا في الأجهزة الأمنية لخلق الذرائع

7 مشاهدة
هآرتس:  السلطة الفلسطينية... لا نستبعد استهدافاً إسرائيلياً لرجالنا في الأجهزة الأمنية لخلق الذرائع

تل ابيب - واثق نيوز- جاكي خوري- هآرتس: رغم تزايد التقارير والتقييمات في إسرائيل في الأيام الأخيرة حول اندلاع أعمال العنف في الضفة الغربية، فإن مصادر في الضفة الغربية تشير إلى عدم وجود أي مؤشرات على تنظيم شعبي واسع النطاق في المجتمع الفلسطيني الآن. مع ذلك، أكد البعض أن الفلسطينيين في الضفة الغربية يتوقعون تغيراً في الواقع العنيف، وإذا لم يحدث هذا التغيير فقد يؤدي الغضب والإحباط إلى ردود فعل.

نشرت صحيفة “هآرتس” مؤخراً أن مسؤولين كباراً في الجيش الإسرائيلي حذروا في لقاءات مغلقة بأن حدثاً دموياً بشكل خاص، مثل هجوم لمستوطنين يؤدي إلى قتل عدد كبير من الفلسطينيين، قد يغير الواقع على الأرض بسرعة، ويدخل فئات سكانية لا تنخرط في الوقت الحالي في الصراع إلى دوامة العنف. وكتبت الصحيفة أيضاً أن الجيش الإسرائيلي يحذر من سيناريو متطرف يتمثل بـ “انقلاب” الوضع، حيث يوجه أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية سلاحهم ضد إسرائيل.

مع ذلك، تظهر نظرة على الضفة الغربية، من خلال مصادر في داخل المجتمع الفلسطيني، صورة مختلفة في هذه المرحلة؛ فقد قالت كوادر ميدانية، من بينها نشطاء في حركة فتح ونشطاء عاديون يمثلون شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني، لـ “هآرتس” إنه رغم العنف الشديد الذي يقوم به المستوطنون في الضفة الغربية، لا شعور واضحاً اليوم في الشوارع الفلسطينية بانتفاضة قريبة. وبحسبهم، لا مؤشرات واضحة على انتظام شعبي واسع، وليس هناك ما يدل على أن اجهزة الأمن الفلسطينية تواجه سيناريو “انقلاب في الحكم” نفسه، الذي يخشى منه الجيش الإسرائيلي.

قال ناشط في حركة فتح، عمل في مؤسسات السلطة الفلسطينية في العقدين الأخيرين: “الغضب موجود، وعميق. الشعور بعدم الأمن يزداد. عنف المستوطنين وتدمير الأرض، والقيود والاعتقالات والصعوبات الاقتصادية، كل ذلك عوامل تساهم في الشعور بالعيش في واقع يزداد قسوة. ولكن هناك فجوة كبيرة بين الغضب والانتفاضة”.

وحسب أقواله، يجسد الوضع في الضفة الغربية مفارقة حقيقية؛ ففي الوقت الذي تحدد فيه إسرائيل “مواد قابلة للاشتعال” قد تشعل المنطقة، يبدو أن المجتمع الفلسطيني نفسه أكثر انطفاء وتعباً؛ لا لأن الفلسطينيين تصالحوا مع الواقع، بل لأن كثيرين منهم لم يعودوا يؤمنون بقدرتهم أو بقدرة القيادة أو المنظمات، على تحويل الغضب إلى تحرك هادف. في هذا الواقع، يتم اختزال المقاومة بدرجة كبيرة إلى صراع على البقاء.

إن سؤال لماذا لا توجد انتفاضة واسعة حالياً، رغم الواقع الصعب في الضفة الغربية، لا يعتبر سؤالاً بسيطاً، ولا توجد إجابة واحدة عليه في أوساط الفلسطينيين أنفسهم. “الخوف جزء لا يتجزأ من المشهد. فهو ليس مجرد خوف شخصي من الجنود أو من الاعتقال أو إطلاق النار. لقد أصبحت غزة مرجعاً رئيسياً في وعي الفلسطينيين في الضفة الغربية خلال السنوات الثلاث الأخيرة”، قال ناشط في فتح من نابلس، يتعامل مع الواقع الميداني كل يوم.

وحسب قوله، “الصور التي تأتي من القطاع، في نظر الكثيرين، هي الدليل على ما سيحدث إذا انجرت الضفة الغربية إلى صراع واسع. فلم يعد ينظر إلى الدمار والقتل والثمن الباهظ الذي يدفعه المجتمع الفلسطيني في القطاع على أنه واقع في مكان آخر، بل أصبح بمثابة رادع أيضاً. إن الخوف من الترانسفير ليس نظرياً فقط لدى كثيرين. فبالنسبة للفلسطيني، يعتبر احتمال أن يؤدي الواقع الأمني إلى تعميق سيطرة إسرائيل على المنطقة وتقليص مساحة عيش المدنيين، بل وحتى تهجيرهم، هو أحد الاعتبارات التي تؤثر على سلوكه في الشارع”.

وقال قدورة فارس، القيادي البارز في حركة فتح وأحد قادة الانتفاضة الأولى والثانية، لصحيفة “هآرتس” بأن الوضع في الضفة الغربية خطير، ليس بسبب عنف المستوطنين فحسب، بل لأن كل فلسطيني يعرف أن هذه هي سياسة حكومة إسرائيل، رغم محاولات المسؤولين الإسرائيليين إدانة العنف أو التحذير منه.

وأكد فارس، الذي كان من قادة النضال الشعبي السلمي بعد الانتفاضة الثانية، أن عدم وجود انتفاضة شعبية واسعة حالياً لا يشير بالضرورة إلى استقرار بعيد المدى. وقال: “ما زال المواطنون يتوقعون التغيير، سواء داخل إسرائيل، بما في ذلك من خلال الانتخابات، أو من خلال الضغط الدولي لكبح جرائم المستوطنين”. ويتذكر فارس وغيره من أبناء جيله بأنه في الانتفاضة الأولى والثانية ظهرت آلية التعبئة الشعبية “أيام الغضب” ومظاهرات واحتجاجات بمشاركة واسعة من قبل الجمهور، برعاية الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح. وقال مصدر فلسطيني: “لا نعرف إذا كان هذا نوعاً من خيبة الأمل أو نتاجاً للواقع فقط، لكن الشعور السائد أن الجميع – السلطة الفلسطينية واجهزتها والشعب الفلسطيني أيضاً – لا يريدون الانجرار وراء مصالح المستوطنين والحكومة. هم ينتظرون التغيير. يكمن الخوف في أن هذا التغيير لن يأتي، سواء من داخل إسرائيل أو من عوامل دولية. وعندها يكون من المستحيل التنبؤ بنتيجته”. إضافة إلى ذلك كله، ثمة عامل آخر، ربما أقل شدة من ناحية أمنية، لكن له تأثيراً كبيراً على روتين الحياة، وهو الحياة نفسها.

يزداد الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية صعوبة؛ فقد تأثرت فرص العمل في إسرائيل، وتراجعت رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، وتراكمت الديون، وبات المزارعون يواجهون صعوبة في الوصول إلى أراضيهم، وتزيد الحواجز والبوابات والطرق الالتفافية من تعقيد حرية الحركة بين مناطق الضفة الغربية، الأمر الذي لا يضر فقط بحرية الحركة، بل أيضاً القدرة على كسب الرزق.

لكن الصورة اليوم مختلفة كلياً؛ فهناك عدم ثقة عميق بالقيادة والفصائل السياسية، والسلطة الفلسطينية نفسها، حسب المصادر، لا تسمح بتشكل حركة شعبية واسعة، بل وتحاول إقناع كل الأطراف المعنية، بما في ذلك إسرائيل والولايات المتحدة، بأنها ما زالت تستطيع السيطرة على الأرض ومنع التدهور.

مع ذلك، يحذر فارس من أن الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يكون الطرف الوحيد الذي يعاني من الضربات لفترة طويلة. وقال: “لا يتوقع من شعب يعاني من الاحتلال والقمع أن يبقى سلبياً إلى الأبد. وإذا لم يحدث تغيير داخل إسرائيل، أو تغيير من خلال الضغط الدولي، فإن الغضب والخوف وخيبة الأمل وعدم الثقة، قد تثير ردود فعل، لكن لا أحد يعرف كيف ومتى”.

إضافة إلى ذلك، أوضحت مصادر تعرف نفسها أيديولوجياً أو تنظيمياً بحماس أو الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية، أن ضعف القدرة على التنظيم بنطاق واسع ينبع أيضاً من استمرار الضرر الذي تتعرض له بنية التنظيمات الفلسطينية، حسب قول مسؤول سابق رفيع في أجهزة الأمن الفلسطينية لصحيفة “هآرتس”. وحسب قوله، تتعرض منظمات مثل حماس والجهاد الإسلامي لضغوط كبيرة من قبل إسرائيل منذ سنوات. وفي الوقت نفسه، تتعرض للاضطهاد من قبل قوات الأمن الفلسطينية. وقد أدت الاعتقالات والتحقيقات وتدمير البنى التحتية وإغلاق مصادر التمويل والفصل من العمل والمراقبة، إلى تقييد نشاطاتها السياسية والتنظيمية بشكل كبير، بل وجعلتها في بعض الأحيان شبه معدومة.

ولكن هذا التغيير لا يقتصر على منظمات المعارضة، فقد فقدت حركة فتح التي ظلت القوة السياسية الرئيسية في المجتمع الفلسطيني، نفوذها أيضاً. وقال المصدر الرفيع: ” قطاعات واسعة في الجمهور ترى أن “فتح” باتت عاجزة حالياً عن قيادة نضال وطني جديد”.

وقد أصبحت الحركة جزءاً لا يتجزأ من نظام الحكم في السلطة الفلسطينية، حيث يعمل الكثير من أعضائها في السلطة، ويرتبط كثيرون منهم بالأجهزة الامنية. وتخضع هذه الأجهزة لرقابة إسرائيلية مستمرة، وفي الوقت نفسه، تربطها علاقات وتعاون مع أجهزة الأمن والاستخبارات الدولية. ضابط في الأجهزة الأمنية قال للصحيفة: “هذا أمر لا تتم مناقشته كثيراً، لكن الاجهزة الأمنية تخضع لرقابة دقيقة من قبل رؤساء الاستخبارات وأجهزة مخابرات أخرى. هناك تغييرات وتحركات ورقابة مستمرة. لذلك، لا يمكن التحدث عن بنية تحتية قادرة على تنظيم نفسها في حركة مستقلة”.

لكن حتى أعضاء الأجهزة الأمنية ليسوا معزولين عن المجتمع الذي يعيشون فيه؛ فالشرطة ورجال الأمن جزء لا يتجزأ من المجتمع الفلسطيني، الذي يدوره يعاني من أزمة اقتصادية شديدة. وقد يجد الشرطي الذي يواجه صعوبة في تسديد القرض ويحصل على راتب جزئي ويعاني من ضغط اقتصادي وعائلي، نفسه في مأزق حقيقي. والسؤال المطروح هو: إلى أي درجة يمكن أن يصبح هذا الوضع دافعاً للتحرك أو الانتقام أو الخروج على النظام في المستقبل؟ غير واضح.

في السلطة الفلسطينية إجماع فعلي حول شعور مختلف، يفيد بأن إجراءات إسرائيل الأخيرة قد تؤدي إلى وضع يصبح فيه ضباط الشرطة الفلسطينية أو رجال الأمن أو عناصر أخرى في السلطة أهدافاً، وهو ما يخلق الذريعة لتوسيع نطاق العنف، وحتى ترويج خطة الطرد وتعميق سيطرة إسرائيل على المنطقة.