غزة-تقرير/ رامي فرج الله -خاص ب"واثق نيوز"- لا تزال الحياة اليومية للفلسطينيين في قطاع غزة محكومة بأزمة إنسانية شديدة التعقيد، فمعظم السكان ما زالوا نازحين، ويعيشون في ظروف قاسية، بينما تستمر المخاطر الأمنية وتتعرض الخدمات الأساسية لضغوط كبيرة. وتؤكد أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الاحتياجات الإنسانية لا تزال واسعة، في ظل قيود على الوصول ونقص في التمويل.
النزوح. و أزمة السكن. حياة بلا استقرار ..
أصبح النزوح المتكرر سمة أساسية من حياة سكان غزة. كثير من العائلات فقدت منازلها أو اضطرت إلى تركها بسبب العمليات العسكرية، لتعيش في خيام أو مساكن مؤقتة تفتقر إلى مقومات الحياة الطبيعية.
ولا يمثل النزوح فقدان المنزل فقط، بل يعني فقدان الخصوصية والأمان ومصدر الدخل، إضافة إلى صعوبة الحصول على المياه والغذاء والرعاية الصحية والتعليم.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن معظم سكان القطاع ما زالوا نازحين ويعيشون في ظروف قاسية، مع استمرار تعرض المدنيين لمخاطر أمنية.
وتواجه غزة أزمة سكن هائلة نتيجة الدمار الواسع الذي أصاب المنازل والبنية التحتية. وأصبحت الخيام والمساكن المؤقتة خياراً اضطرارياً لملايين الفلسطينيين، لكنها لا توفر حماية كافية من الظروف الجوية أو مخاطر البيئة المحيطة.
وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب نقص مواد البناء والموارد اللازمة لإصلاح المنازل وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، الأمر الذي يجعل العودة إلى حياة مستقرة أمراً بالغ الصعوبة.
المياه.. معاناة يومية ..
المياه النظيفة من أكثر الاحتياجات إلحاحاً. ووفق مسح أوردته الأمم المتحدة، كان 90% من السكان في أوائل يوليو/تموز 2026 يعانون من انعدام متوسط إلى مرتفع في أمن المياه، مقارنة بـ84% في يونيو/حزيران.
ولا تتوقف المشكلة عند كمية المياه، إذ إن تضرر شبكات المياه والصرف الصحي ونقص الوقود ومواد التشغيل يرفع مخاطر التلوث وانتشار الأمراض.
وتحذر تقارير الأمم المتحدة من أن تدهور خدمات المياه والصرف الصحي يمكن أن يؤدي إلى فيضان مياه الصرف الصحي وخلق مخاطر صحية عامة.
الجوع وسوء التغذية و انعدام الأمن الغذائي ..
رغم التحسن النسبي في بعض مؤشرات الأمن الغذائي مقارنة بمراحل سابقة، فإن الأزمة الغذائية لم تنتهِ. ولا تزال أعداد كبيرة من الفلسطينيين تواجه مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يبقى الوضع هشاً وقابلاً للتدهور إذا تراجعت المساعدات أو تعطلت الإمدادات.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأزمة الغذائية وسوء التغذية ما زالا يمثلان تحدياً كبيراً في غزة، وأن التحسن في الوضع الغذائي يحتاج إلى استمرار المساعدات على نطاق واسع.
وتتجاوز مشكلة الغذاء مجرد الحصول على وجبة؛ فارتفاع الأسعار ونقص السيولة وتراجع مصادر الدخل جعلت قدرة الأسر على شراء الغذاء محدودة، فيما تضررت الزراعة والإنتاج المحلي بصورة كبيرة.
القطاع الصحي.. مستشفيات تحت الضغط ..
أدت الحرب إلى إضعاف شديد للمنظومة الصحية، في وقت ارتفعت فيه الحاجة إلى العلاج والإسعاف وإعادة التأهيل.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن الاحتياجات الصحية في غزة لا تزال هائلة، بينما تبقى القدرات الصحية محدودة.
ولا تنحصر المشكلة في علاج الإصابات الناتجة عن الحرب؛ فهناك أيضاً مرضى الأمراض المزمنة، والنساء الحوامل، والأطفال، وذوو الإعاقة، والمصابون الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية أو علاج طويل وإعادة تأهيل.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو واحد من كل أربعة فلسطينيين أصيبوا في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 يُقدّر أنه يعيش بإصابة قد تغير حياته بشكل دائم، مثل إصابات الحبل الشوكي أو الدماغ وغيرها، في وقت تواجه فيه خدمات إعادة التأهيل قيوداً ونقصاً في المستلزمات.
الأطفال.. الجيل الأكثر تضرراً ..
يدفع الأطفال ثمناً قاسياً للأزمة. فالكثير منهم فقدوا أفراداً من أسرهم، أو منازلهم، أو مدارسهم، أو عاشوا فترات طويلة في النزوح والخوف.
وتؤثر الحرب في الأطفال جسدياً ونفسياً وتعليمياً في آن واحد. فحتى الطفل الذي لم يُصب جسدياً قد يحمل آثاراً نفسية عميقة نتيجة مشاهدة القصف والدمار وفقدان الأقارب والعيش في بيئة غير مستقرة. كما أن تعطّل التعليم لفترات طويلة يهدد بتكوين فجوة تعليمية كبيرة قد تمتد آثارها لسنوات.
مخلفات الحرب.. خطر بعد انتهاء القصف ..
لا ينتهي الخطر بمجرد توقف القصف في منطقة ما. فالذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب تشكل خطراً مستمراً على المدنيين، وخصوصاً الأطفال الذين قد يقتربون من أجسام مجهولة دون معرفة خطورتها.
وتعمل فرق متخصصة في إزالة مخلفات الحرب، لكن حجم الدمار وانتشار الذخائر يجعل المهمة طويلة ومعقدة.
أزمة نفسية واجتماعية
هناك جانب آخر من المعاناة لا يظهر دائماً في الإحصاءات: الانهيار النفسي والاجتماعي.
فقدان أفراد الأسرة، النزوح المتكرر، الخوف، الجوع، فقدان المنزل والعمل، وعدم معرفة المستقبل، كلها عوامل تضغط على الصحة النفسية للسكان.
ولهذا أصبحت خدمات الدعم النفسي والاجتماعي جزءاً أساسياً من الاستجابة الإنسانية، إلى جانب الغذاء والماء والدواء.
المساعدات الإنسانية.. حاجة مستمرة ..
تواصل المنظمات الدولية والمحلية تقديم الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الصحية والدعم النفسي، لكن حجم الاحتياجات يجعل الاستجابة الإنسانية أمام تحديات هائلة.
وتؤكد الأمم المتحدة أن القيود على الوصول، وانعدام الأمن، ونقص التمويل، كلها عوامل تحد من قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى السكان وتقديم المساعدة بالمستوى المطلوب.
كما أن العاملين في المجال الإنساني أنفسهم يواجهون مخاطر كبيرة؛ وقد وصفت الأمم المتحدة غزة بأنها أخطر سياق للعاملين في المجال الإنساني للعام الثالث على التوالي، مع مقتل عدد كبير منهم خلال الحرب.
معاناة لا تختصرها الأرقام ..
تكشف الأرقام جانباً من مأساة غزة، لكنها لا تستطيع وحدها وصف الحياة اليومية لعائلة تبحث عن مياه نظيفة، أو أم تحاول توفير الطعام لأطفالها، أو مصاب يحتاج إلى عملية أو طرف اصطناعي، أو طفل يعيش في خيمة بدلاً من منزله ومدرسته.
إن الأزمة الإنسانية في غزة ليست أزمة غذاء فقط، ولا أزمة نزوح فقط، بل هي أزمة متكاملة تضرب السكن والصحة والمياه والغذاء والتعليم والاقتصاد والصحة النفسية والأمان الشخصي.
و أخيرا و ليس آخرا : "المشهد الإنساني في غزة خلال أغسطس/آب 2026 لا يزال شديد الصعوبة. ورغم وجود جهود إغاثية وتحسن نسبي في بعض المؤشرات، فإن السكان لم يستعيدوا بعد مقومات الحياة الطبيعية، ولا تزال احتياجاتهم أكبر بكثير من قدرة الاستجابة الحالية.
والخروج من هذه الأزمة لا يحتاج إلى المساعدات وحدها، بل إلى بيئة آمنة ومستقرة تسمح للناس بالعودة إلى منازلهم أو إعادة بنائها، وإعادة تشغيل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والصرف الصحي، واستعادة مصادر الدخل، وإزالة مخلفات الحرب، وتوفير رعاية طويلة الأمد للجرحى والأطفال والمتضررين نفسياً.
فالمطلوب ليس فقط إبقاء سكان غزة على قيد الحياة، وإنما تمكينهم من استعادة حياة إنسانية آمنة وكريمة .

