الكاتبة : د. ايمان هريدي
مقدمة
الطباعة والسيادة في سياق بناء الدولة الفلسطينية
في سياقات النضال الوطني وتثبيت مؤسسات الدولة، تشكل البنية التحتية الثقافية والإعلامية أحد الأعمدة الحاسمة في صيانة الهوية وتعزيز الاستقلال. ومن بين أبرز تلك البنى تأتي المطبعة الوطنية بوصفها أكثر من مجرد منشأة تقنية، بل كرمز سيادي يعبر عن قدرة الدولة على إدارة خطابها المعرفي، وتأمين مستلزماتها التربوية والإدارية دون التبعية للآخر.
في الحالة الفلسطينية، كانت الحاجة إلى وجود مطبعة وطنية مطلبا مؤجلا لسنوات طويلة، فرضته الوقائع السياسية والاقتصادية المعقدة. ولم تكن دولة فلسطين، قبل العام 2022، تمتلك مطبعة حكومية سيادية تتولى طباعة الكتب المدرسية أو الوثائق الرسمية، ما جعل المؤسسات الرسمية تعتمد على مطابع خاصة، أو تضطر للتوجه للأسواق الخارجية، في ظل ظرف سياسي استثنائي تتحكم فيه سلطات الاحتلال الإسرائيلي بمنافذ الأرض والموارد.
ولهذا جاءت المطبعة الوطنية الفلسطينية كتحول نوعي، يحمل في طياته دلالة رمزية ومادية، وتعبيرا عن انبثاق مؤسسة جديدة من مؤسسات السيادة الوطنية. وقد عبر الرئيس محمود عباس عن هذه النقلة النوعية خلال افتتاح المطبعة بقوله:"التعليم، الصحة، الصناعة، الزراعة، إذا توفرت هذه الأشياء توفرت الدولة، ومثل هذه المطبعة هي من مكونات الدولة" – في تأكيد واضح على البعد السيادي لهذا المشروع.
الخلفية والسياق العام :
إن إقامة مطبعة وطنية في فلسطين لا يمكن قراءتها خارج الإطار العام للواقع الفلسطيني المركب. فمنذ نشأة السلطة الوطنية الفلسطينية منتصف التسعينيات، واجهت مشاريع التنمية المؤسسية تحديات معقدة، أبرزها السيطرة الإسرائيلية على الموارد والمعابر، وضعف التمويل، والانقسام الجغرافي والسياسي. وفي ظل هذا الواقع، لم يكن إنشاء مطبعة وطنية أمرا يسيرا، بل مشروعا مؤجلا لأكثر من عقدين، تزايدت الحاجة إليه مع تزايد الطلب على الكتب المدرسية والمطبوعات الرسمية.
إن غياب مطبعة حكومية كان يترك فراغا في منظومة الإعلام التربوي، ويؤدي إلى إهدار مئات الملايين من الشواقل سنويا في التعاقدات مع القطاع الخاص أو الاستيراد من الخارج، إضافة إلى مخاطر أمنية تتعلق بطباعة الوثائق السيادية خارج إطار رقابة الدولة.
المطبعة الوطنية كأداة للسيادة الثقافية والمعرفية :
من منظور علم السياسة وبناء الدولة، تعد المطابع الرسمية مكونا من مكونات "السيادة الثقافية"، وهي من أدوات الدولة في فرض خطابها، وترسيخ مفردات الهوية الوطنية، وتعزيز استقلالها المعرفي. فكما أن وجود جيش وطني ومصرف مركزي ومراكز إحصاء يعكس عناصر الحكم الذاتي، فإن امتلاك أدوات الطباعة يعد مؤشرا بالغ الدلالة على قدرة الدولة على التحكم في رسائلها الداخلية والخارجية، وعلى إدارة المعرفة والتعليم وفق سياستها الوطنية.
وبالتالي، فإن المطبعة الوطنية الفلسطينية ليست مجرد بنية إنتاجية، بل تمثل - رمزيا ووظيفيا - جزءا من البنية التحتية للسيادة. ولعل هذا ما قصده الرئيس "ابو مازن" حين أشار في افتتاحها إلى أن "هذه المطبعة ستكون على أرض الواقع، شاء من شاء وأبى من أبى"، في تحد واضح للهيمنة الإسرائيلية ومحاولات إنكار السيادة الفلسطينية.
الهوية الإعلامية ودور الوزير أحمد نجيب عساف في إعادة تشكيل الخطاب الرسمي الفلسطيني :
في سياق النضال الفلسطيني المتعدد الأوجه، برز الإعلام الرسمي بوصفه أحد الميادين الحيوية التي تسهم في صيانة الهوية الوطنية، وإعادة صياغة الرواية الفلسطينية بما ينسجم مع تطلعات الشعب نحو التحرر والاستقلال. وفي هذا المجال، يبرز دور الوزير أحمد نجيب عساف، المشرف العام على الإعلام الرسمي، باعتباره أحد أبرز المهندسين الفكريين والإداريين لهذا التحول المفاهيمي والمؤسساتي في وظيفة الإعلام الفلسطيني.
لقد أسس عساف رؤية إعلامية جديدة، تجاوزت النموذج التقليدي للإعلام الرسمي كجهاز ناقل للخطاب السياسي، إلى تصوره ك"فاعل استراتيجي" في بناء السردية الوطنية، وتثبيت مفردات الهوية الثقافية والسياسية الفلسطينية. ومن هذا المنطلق، لم يعد الإعلام الرسمي مجرد أداة للتواصل، بل أصبح – وفقا لهذه الرؤية – رافدا لاستمرارية الهوية الوطنية، ومنبرا للكلمة والصورة التي تنطق بلسان فلسطيني مستقل عن الأجندات الخارجية.
في أحد المنتديات الإعلامية الدولية، أشار عساف إلى أن "الرواية الفلسطينية انتصرت على رواية الاحتلال"، مؤكدا أن هذا الإنجاز لم يكن نتاج مجهود فردي أو خطاب عاطفي، بل حصيلة جهد رسمي مؤسسي منسق، استند إلى شبكات إعلامية متعددة المنصات، ونجح في إيصال الصوت الفلسطيني إلى المجال الإعلامي الدولي، رغم محاولات التهميش والتشويه الممنهجة.
وقد انعكست هذه الرؤية في مشروع المطبعة الوطنية الفلسطينية، الذي مثل امتدادا طبيعيا لهذه الاستراتيجية الإعلامية. فالمطبعة، بوصفها مؤسسة سيادية، أصبحت قادرة على إنتاج الكتب المدرسية، والجريدة الرسمية" الحياة الجديدة "، والمطبوعات الحكومية، بكود سردي فلسطيني خالص، وبعيد عن التبعية لأية قوى إعلامية خارجية، وهو ما يعد تطورا مفصليا في قدرة الدولة الفلسطينية على إدارة رسالتها التربوية والسياسية من داخل مؤسساتها الوطنية.
منحة الهند : توطيد البعد المؤسسي للعساف كفاعل دبلوماسي وتنموي ..
لا يمكن فهم هذا التحول دون التوقف عند البعد المؤسسي والدبلوماسي الذي مثله عساف، من خلال قدرته على بناء جسور شراكة دولية استراتيجية دعمت المشروع من جذوره. ففي عام 2019، تسلم الوزير عساف الدفعة الأولى من منحة مالية قدمتها جمهورية الهند لإنشاء المطبعة الوطنية، بقيمة 2.5 مليون دولار من أصل 5 ملايين، وهو ما يعكس ثقة دولية واضحة في قدرته المؤسسية على إدارة مشاريع سيادية حساسة ضمن إطار حكومي منظم وشفاف.
وتشير تقارير وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" إلى أن الوزير عساف اعتبر أن الهدف الاستراتيجي من هذه المبادرة ليس تقنيا أو اقتصاديا فقط، بل يتمثل في جعل الإعلام الوطني صوتا حضاريا يعكس تطلعات ومعاناة الشعب الفلسطيني، وينقل صورة إنسانية صادقة للعالم. ومن هذا المنطلق، صور عساف المطبعة الوطنية كأداة استراتيجية تخدم الإعلام والتعليم والصحة، وتعمل على ترسيخ مفهوم السيادة الثقافية، بوصفها أحد أركان الدولة العصرية.
القدرات التقنية والإنتاجية :
تشير بيانات الاعلام الرسمي الفلسطيني إلى أن المطبعة الوطنية تم تجهيزها بأكثر من 30 ماكينة طباعة حديثة ومتنوعة، تغطي احتياجات المؤسسات الحكومية، من طباعة الكتب المدرسية، إلى الوثائق الرسمية، إلى الصحف اليومية. من بين هذه الماكينات، توجد ماكينة رئيسية تتميز بقدرتها الفائقة، إذ تبلغ سرعتها:
1 مليون ورقة في الساعة
10,000 كتاب في الساعة
3 كتب مدرسية في الثانية
ما يعني أن المطبعة قادرة على إنتاج 14 مليون كتاب سنويا، وهو رقم يتجاوز احتياجات الطلبة الفلسطينيين البالغ عددهم أكثر من مليون ونصف المليون تلميذ.
من جهة أخرى، تتولى المطبعة طباعة ما يزيد على 500 نوع من المطبوعات الرسمية التي كانت تطبع خارجيا سابقا، مثل الفواتير الضريبية، الشهادات، التقارير الوزارية، والنشرات التوعوية، وغيرها، مما أسهم في ترشيد النفقات العامة، وضمان السرية السيادية للمحتوى الحكومي.
الطباعة بوصفها سلاحا سرديا وسائطيا في رؤية عساف :
ليست المطبعة الوطنية مؤسسة إنتاجية فحسب، بل ركيزة ثقافية تسهم في نشر المعرفة، وصون الذاكرة الوطنية، وتعزيز التعليم الرسمي. إن الطباعة ليست مجرد تقنية، بل أداة سيادية لنقل المعنى والمعرفة، وهذا ما أكد عليه الوزير أحمد عساف، حين وصف المطبعة بأنها: " رافد لاستمرار وصيرورة الهوية الوطنية الفلسطينية، ومنبر للكلمة والصورة تنطق بلسان فلسطيني".
من خلال طباعة الكتب المدرسية والمناهج التربوية محلييا، تكرس فلسطين قدرتها على توجيه خطابها التربوي، دون تدخل خارجي. كما تسهم المطبعة في توثيق الهوية الثقافية من خلال طباعة الكتب التاريخية، والوثائق الأرشيفية، والمجلات الوطنية، والصحف الرسمية مثل جريدة "الحياة الجديدة".
من منظور عساف ، ليس لوجود مطبعة وطنية قيمة إلا إذا حفزت إضافة محتوى لتشكيل الهوية "هnarrative". ففي مقال ثقافي بارز، ركز على أن الإعلام هو أكثر من الإعلام؛ إنه تمكين ل"الرواية" عبر الشعر والمسرح والمهرجانات ودعم الفنون الوطنية. الإعلام الرسمي بات عرضا دائما للشباب الفلسطيني والفنانين الذين يسهمون في إعادة صياغة الرؤية الفلسطينية، بعيدا عن السردية الصهيونية القائمة. وهذا التوجه تمت ترجمته عمليا عبر طباعة المناهج والتقارير والكتب التي تحمل "narrative" فلسطينية بصرية، مستقلة، وغير منحازة لأي أجنده خارجية.
الشراكة مع القطاع الخاص والتنمية المستدامة في مشروع المطبعة الوطنية :
في فلسفة بناء الدولة الحديثة، لا تكتمل معادلة التنمية المستدامة دون شراكة فاعلة بين القطاع العام والقطاع الخاص. وبهذا الإدراك، حرص الوزير أحمد نجيب عساف، المشرف العام على الإعلام الرسمي، على توجيه مشروع المطبعة الوطنية الفلسطينية ليأخذ طابعا تشاركيا لا إقصائيا، مؤكدا منذ المراحل الأولى أن الهدف من تأسيس هذه المؤسسة السيادية لا يتمثل في خلق كيان تنافسي يضعف دور المطابع الخاصة، وإنما في تأسيس مظلة وطنية شاملة تعمل بتكامل مع القطاع الخاص لتلبية احتياجات السوق الفلسطيني على أسس مهنية وسيادية.
لقد شدد عساف مرارا على أن المطبغة الوطنية ليست منافسا، بل "مظلة للقطاع الخاص"، بما يعكس فهما دقيقا لديناميكيات السوق المحلي، ومراعاة للتوازن بين الدور السيادي للدولة ومرونة القطاع الخاص في الابتكار والتشغيل. وفي هذا الإطار، توجهت إدارة المشروع إلى تطوير نموذج مؤسسي تشاركي، يقوم على:
· تدريب الكوادر المحلية في مجال الطباعة والتصميم والإخراج الصحفي وفقا لأحدث المعايير التقنية العالمية؛
· نقل الخبرات المكتسبة من المشروع إلى العاملين في المطابع الخاصة، ما يسهم في رفع سوية الكفاءة المهنية الوطنية؛
· تحفيز بيئة الطباعة المحلية على التحديث التكنولوجي، من خلال استثمار روح التنافس الإيجابي المستند إلى الكفاءة لا إلى الاحتكار؛وفتح المجال أمام تعاقدات مشتركة لتلبية احتياجات الوزارات والمؤسسات، بحيث تكون المطبعة الوطنية جهة داعمة عند الحاجة لا بديلا دائما.
من هذا المنطلق، لا ينظر إلى المطبعة بوصفها مؤسسة حكومية مغلقة، بل كمنصة تنموية متعددة الوظائف، تجمع بين السيادة الفنية والمعرفية، ومرونة الانخراط في السوق. هذا التكامل بين الدولة والقطاع الخاص يعد إحدى أبرز سمات النموذج الفلسطيني في التنمية، خاصة في ظل المعوقات التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الحركة التجارية والموارد المالية.
وبالعودة إلى منظور الاقتصاد السياسي للتنمية المستدامة، فإن ما حققته المطبعة الوطنية يتجاوز البعد الإنتاجي المباشر (أي طباعة الكتب والمطبوعات الرسمية)، ليشمل:
· خفضا ملموسا في النفقات الحكومية على الطباعة التي كانت تنفذ في الخارج أو عبر عقود مرتفعة الكلفة؛
· تحفيزا لسوق الطباعة الوطني بما يتجاوز منطق الربح القصير إلى بناء قطاع معرفي يمتد إلى التعليم والإعلام والصحة؛
· توفير فرص عمل فنية ومهنية في مجالات التصميم، التشغيل، الصيانة، والتدريب، مما يسهم في تقليص البطالة في قطاعات شبابية حيوية؛
· وتعزيزا للبنية التحتية الإعلامية الثقافية التي تمثل أساسا لتكريس الهوية الوطنية، ودعم الإنتاج المعرفي الفلسطيني.
إن هذا التوجه التشاركي الذي قاده عساف، يعكس رؤيته إلى الدولة بوصفها كيانا متكامل الوظائف، لا ينفصل فيه البعد السيادي عن الاقتصادي، ولا الثقافي عن الاجتماعي. فالمطبعة الوطنية بهذا المعنى، ليست مجرد مؤسسة طباعة، بل منصة سيادية تنموية تعمل على إعادة هيكلة قطاع الطباعة في فلسطين ضمن منظور نهضوي شامل، يراعي مبادئ الاستقلال المعرفي، والانفتاح على السوق، والتكامل مع المجتمع المدني والقطاع الخاص.
سابعا: تحديات التنفيذ وآليات تجاوزها – دراسة في الإدارة العامة لمؤسسة سيادية ناشئة :
لم يكن إنشاء المطبعة الوطنية الفلسطينية مجرد مسعى تقني أو إجراء روتيني ضمن سياقات العمل الحكومي، بل شكل تحديا مؤسساتيا مركبا على المستويات السياسية والإدارية والتعاقدية. إذ جاءت ولادة هذا المشروع في بيئة تنظيمية شديدة الحساسية، تشهد فيها البنية الإدارية الفلسطينية تداخلا في الصلاحيات وتعددا في الجهات ذات العلاقة، إلى جانب الإكراهات الخارجية المرتبطة بالتمويل والسيطرة السياسية المفروضة من الاحتلال.
اصطدم المشروع باشتراطات اتفاقية التمويل الموقعة مع الحكومة الهندية، والتي اشترطت أن يتم طرح العطاءات وتنفيذ التوريدات عبر السوق الهندي، ما ترتب عليه سلسلة من التعقيدات القانونية والإجرائية. هذا الشرط، رغم ما وفره من تمويل مقدر (5 ملايين دولار أمريكي)، إلا أنه خلق فجوة زمنية بين التصور المؤسسي الفلسطيني وبين متطلبات الجهات المانحة، ما استدعى قدرة تفاوضية وتنظيمية عالية لتسوية الخلافات الإجرائية دون المساس بجوهر المشروع أو تأجيل تنفيذه إلى أجل غير معلوم.
جاءت جائحة كورونا لتضيف بعدا غير متوقع من التعطيل، إذ تزامنت مع مراحل البناء، والتركيب الفني، والتدريب التقني للعاملين، ما تسبب في تأخير وصول المعدات، وتعطيل الورشات التدريبية، وإرباك الجدول الزمني للتشغيل التجريبي.
ورغم تعقيد هذه المصفوفة من التحديات، إلا أن المشروع تمكن من تجاوز الاختناقات البنيوية، بفضل عاملين رئيسيين:
الرعاية المباشرة من مؤسسة الرئاسة الفلسطينية، التي وفرت الغطاء السياسي اللازم، وذللت العقبات البيروقراطية من خلال إصدار التعليمات الحاسمة للتنسيق بين الجهات المعنية، والتسريع في الإجراءات الجمركية والإدارية؛
الإشراف التنفيذي والميدااني من الوزير أحمد نجيب عساف، الذي قام بدور محوري في التنسيق مع الجهات الهندية، وضبط العلاقة مع المؤسسات الفلسطينية، ومتابعة الجوانب التقنية والتشغيلية، بما يعكس نموذجا ناجحا في الحوكمة التنفيذية للمشاريع السيادية.
إن نجاح المشروع في الوصول إلى مرحلة التشغيل الكامل منتصف عام 2022 يعد مؤشرا نوعيا على قدرة الإدارة الفلسطينية، في ظل الاحتلال والانقسام، على إنتاج مؤسسات سيادية متماسكة، قادرة على مجابهة التحديات البنيوية والطارئة، وتحقيق أهدافها ضمن أطر زمنية قابلة للقياس.
وبذلك، فإن تجربة المطبعة الوطنية الفلسطينية، من زاوية التحديات التنفيذية، تقدم نموذجا دراسيا قيما في التخطيط الاستراتيجي في البيئات المعقدة (Complex Environments)، حيث تتقاطع السياسة بالتمويل، وتتنازع الصلاحيات الإدارية مع الطموحات السيادية، ليبقى الإنجاز في النهاية مرهونا بوجود قيادة مؤسساتية ذات رؤية، كما جسدها الوزير عساف.
الطباعة كأداة للسيادة في الفكر السياسي المعاصر :
من منظور الفكر السياسي وتاريخ الدولة الحديثة، تشكل أدوات الطباعة إحدى أكثر مكونات السيادة تعبيرا عن عمق الاستقلال الرمزي والمعرفي للدولة. فمنذ اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر، أدركت الأنظمة السياسية الناشئة أن السيطرة على أدوات إنتاج الخطاب توازي في أهميتها السيطرة على الأرض والموارد. الطباعة لم تكن مجرد وسيلة تقنية، بل تحولت إلى ذراع استراتيجي في بناء الهوية الوطنية وصياغة الوعي الجمعي، ما جعلها موضع تنافس واحتكار من قبل السلطات الحاكمة عبر التاريخ.
في السياق الفلسطيني، تكتسب هذه المعادلة بعدا وجوديا. إذ لا ينحصر الصراغ مع الاحتلال الإسرائيلي في الجغرافيا، بل يمتد إلى مجالات الرواية، والمناهج، واللغة، والمعرفة. لذلك، فإن امتلاك القدرة على طباعة المناهج التربوية، والجريدة الرسمية، والوثائق السيادية داخل منشأة وطنية، وبإشراف مؤسساتي فلسطيني، يعد فعلا سياديا من الطراز الأول، لا يقل أهمية عن امتلاك الأرض أو الدفاع عنها.
فالوعي الجمعي، كما الأرض، عرضة للاحتلال والمصادرة؛ وطباعة الرواية الوطنية داخل فلسطين هو شكل من أشكال التحرر الرمزي، ومقاومة الهيمنة الخارجية على أدوات التكوين الثقافي والمعرفي للمجتمع الفلسطيني.
خاتمة: نحو مؤسسة سيادية مستدامة – قراءة في الرؤية المؤسسية للوزير عساف :
لا يمكن فهم المطبعة الوطنية الفلسطينية بمعزل عن الرؤية المؤسساتية التي قادها الوزير أحمد نجيب عساف، المشرف العام على الإعلام الرسمي. لقد تجاوزت مساهمته حدود الإشراف الإداري، لتمثل نموذجا لقيادة استراتيجية متعددة الأبعاد، جمعت بين وضوح التصور السياسي، ودقة التنفيذ الإداري، وفهم معمق للبنية الثقافية والإعلامية الوطنية.
تجسد المطبعة الوطنية اليوم تحولا من الاعتماد إلى الاعتماد الذاتي، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن الاستيراد إلى الإنتاج المعرفي المحلي. فهي ليست مجرد منشأة طباعية، بل مؤسسة سيادية شاملة، تنخرط في تطوير قطاعات التعليم، والإعلام، والثقافة، من خلال بنية تحتية حديثة، ونظم تشغيل فعالة، وإرادة سياسية مؤمنة بالمعنى العميق للسيادة.
لقد مثل عساف، من خلال هذا المشروع، نموذجا لمثقف الدولة وصانع السياسات، الذي يدرك أن الإعلام ليس فقط مرآة للواقع، بل أداة لإعادة تشكيله. ومن هذا المنطلق، فإن المطبعة الوطنية تمثل مرحلة متقدمة في مشروع بناء الدولة الفلسطينية، ليس بالمعنى المؤسساتي فحسب، بل أيضا بالمعنى الثقافي والهوياتي، حيث الرواية الوطنية تطبع وتروى بيد فلسطينية، ومن أرض فلسطينية.
إنها ليست نهاية الطريق، بل بدايته، نحو تكريس سيادة معرفية واقتصادية متكاملة، تكون فيها الكلمة المطبوعة خط دفاع أول عن الكرامة الوطنية. حمى الله فلسطين



