الكاتبة : د.ايمان هريدي
أرجو أن يسامحني جاري، معتصم عباس الطويل...
سأسميك "عراب الحمام الزاجل" في مدينة البيرة.
قد يحسدني البعض، لكن يا لغبائي!
منذ زمن وأنا أعيش قبالة "علية معزوزة" في قلب البلدة القديمة…
أجل، أنا من أطلقت عليها هذا الاسم، إذ كانت الحاجة "كهرمان "، سيدة المسبحة السمراء، تسكنها.
تلك "العلية" كأنها من نسيج الحكايات المخفية،
تغفو في ظلها العصافير، وتسبح الحمائم في سمائها، تهمس: "اذكروا ربكم". هي أشبه بسر قديم، بأنفاس الزمن الهادئ، بجدار يخبئ القصائد.
ربما تظنون أنني محظوظة لأني أطل على هذا الجمال الصامت،
أستنشق فجرا يذكرني بمن رحلوا، بمن أحبوا هذه المدينة حتى لفظوا أنفاسهم الأخيرة على ترابها.
لكنني اليوم...
لن أحكي عن "العلية".
رغم أنها تسكن القصص،
الحكاية اليوم... عن "معتصم عباس الطويل".
نعم، ترجمت لغة الحمام الزاجل، وقد علمتني إياها "معزوزة"،
بعد أن أعددت كمينا محكما لاصطياد حمامة منها، لكن الحمامة لم تهرب... بل روت لي حكاية "معتصم البيرة"، فغضضت البصر عن استهدافها، احتراما للحكاية... ولمن كان بطلها.
إن كنتم من أهل "البيرة"، فلا بد أنكم تعرفونه.
بل أكاد أجزم أن اسمه يسبق خطاه في الأزقة.
معتصم الطويل، أبو موسى،
و"أولاد الحارة" – أولئك المشاغبون – يلقبونه ب"بوني"...
يا لتنمرهم! ربما لأن قامته قصيرة،
لكنه... طويل الخير، طويل النفس، عميق الأثر.
أنتم لا تعرفونه حق المعرفة،
دعوني أروي لكم حكايته،
كما روتها لي حمامات "معزوزة"،
كما همس بها زقاق "المغتربين"،
وكما سردها على استحياء جيران يعرفونه ولا يدركون تماما من هو.
معتصم... هو من استدرج أسراب الحمام إلى حارتنا،
يخاطبها كل صباح، يحدثها عن زهر اللوز، وعن أمل لم يذبل بعد.
تمشي الحمامات
تتغنى، تتغندر،
كأنها تدرك أن في الحارة من يحرس نبضها،
فهو من نصبها حارسة للأمنيات.
تدنو بثقة نحو دكانه،
تعلم أن خبز الرحمة ينتظرها عند العتبة،
وهناك،
تشعر – دون أن تدري – أنك لم تعد في "البيرة"،
بل في "البندقية"...
لكن دون بحر، ودون ماء.
غير أن الجمال
يصنع هنا،
بيد رجل واحد...
اسمه: معتصم.
وإن سألت عن معتصم البيرة،
فلا تجبك الشفاه، بل الحجارة الصامتة،
التي ما نطقت يوما، لكنها حفرت اسمه في قاموس الوفاء.
معتصم؟ ذاك الذي تصافح يداه الأرصفة كل فجر، منذ خمس عشرة سنة، من دون مقابل، ولا منصب، فقط قلب يضيق بأن يرى مدينته متعبة، متسخة.
في السادسة صباحا، تنهض الشوارع على وقع خطاه، تعرفه الأرض كما تعرف زرقة السماء أول الضوء.
كنت أراقبه طويلا، وأسأل نفسي:
أي نداء خفي هذا الذي يدفعه ليكنس الطرقات طوعا؟
ما الذي يدفعه ليستيقظ قبل الشمس؟
أي قلب يسكن هذا الرجل؟
ثم أدركت...
إنه حب المدينة.
حب الأم التي يعود إليها ابنها البار كل فجر، ليزيل عنها الغبار، هو لا ينظف الشوارع فحسب، بل ينظف تعبها، يهدئ نبضها، يمسح دمعة لا يراها أحد، إلا هو.
ويا لها من لعنات همست بها نفسي...
كم مرة توجهت إلى دكانه، فوجدته مغلقا؟
أتنهد ، أعبس في وجهي، وربما تخيلت نفسي أقبض عليه وأوبخه بشدة! لكن، حين اكتشفت السر، وبخت نفسي بشدة... لم أكن أعلم أن غيابه لم يكن هروبا، بل رحلة رحمة.
رحلة لأجل امرأة شيبها الزمن، ترتجف يدها،
أو طفل ينتظر زجاجة الحليب بحنان،
أو شيخ أرهقه الزمان، فلا يجد سواه سندا ومعينا.
أتدرون كم طفلا أنقذه من خطر الدهس؟
معتصم يغيب ليحضر الألم، لا ليستريح،
يغيب ليكون حيث لا يكون أحد،
في الحاجة، في الكارثة، في سر الحياة المخبأ.
وكم مرة سرقت منه حبة برقوق من سطح مكتبه،
ذاك البرقوق المشهور في "حاكورة البيرة"، خلف بيتهم الذي يحمل بين جدرانه حكايات طويلة لعائلة الطويل.
لهذا، وجدت أن الكلمات لا تكفي، فأرفع له قبعة الفخر،
تماما كما أفتخر بصديقك الوفي الجميل عويس،
وكما أفتخر بأبناء حارتي، حارة عابد وعط الله، حيث الخير مزروع في كل زاوية.
معتصم، ذلك الرجل الذي حول دكانه الصغير إلى صندوق زرع بالحكايا،
حكايا أب، لا أزال أتلمس أسمه بين ثنايا الذاكرة، نعم كان أسمه عيسى عباس الطويل "أبو ماهر"
بين جدائل تلك الحكايا، وعلى جدار الدكان حيث علق والده – رحمه الله –
عكازته الخشبية، كان يجلس يشرب من نهر ذاكرة البيرة،
وينسج لنا من حكايات الزمان ما يعيد المدينة إلى أولى أنفاسها.
كان والد معتصم رجلا ذا كرش كبير وطيبة أكبر،
يجلس خلف الطاولة،
يمد يده بالحلوى دون حساب ولا انتظار مقابل،
يقول عن محبته أو كراهيته بصدق لا يعرف فيه النفاق،
ففي ذلك الدكان لم يكن للنفاق مكان، ولا للحيل سبيل.
ذات مرة، كنت أسميه "عباس ابن فرناس"،
يحلق بخياله عند أطراف المدينة، فكنت أسأله ما إذا كان برجوازيا،
فيرد ضاحكا: نعم، برجوازيا كادحا. كيف ذلك؟
يرد بابتسامة: "ألا تضحكين؟ رحمة الله عليك".
أما معتصم – أبو موسى – فهو رجل الحياء والمروءة،
حضور لا يشعر به إلا في عمق القلوب،
وغائب يفتقده الجميع كما تفتقد المدينة نسيمها في يوم صيف حارق.
كم من مبادرة خيرية في البيرة،
كان هو راعيها الخفي.
يرفض أن يسموه "الفاعل"،
لا خوفا من الحسد، بل خوفا من أن يفقد الخير بركته إذا صار علنا،
كم مرة قال لي:
"إيمان، أسرعي، سأغلق المحل لأحضر جنازة... ثم سأنتقل إلى فرح!"
ينتقل بين الحزن والفرح كما تنتقل النسائم بين شقوق الذاكرة،
وحين أطلب منه شيئا نادرا،
لا يفشل في توفيره، إما في المساء أو في صباح الغد.
يتابع الأحداث، يعرف كل شيء،
ولا مرة سمعته يصرخ،
لكنني أحفظ لغة يديه حين يغضب،
كأنها طقوس كاهن قديم يطرد بها الأرواح الشريرة عن أسوار الحي،
كأنها صلوات صامتة، تذود عن الحارة لعنات الزمن بأحجية من الحب والوفاء.
منذ خمسة عشر عاما،
يخرج مع الفجر،
يكنس الأرصفة، يمسح الغبار، يلم شظايا التعب من وجه المدينة،
وللتوضيح، ليس عامل نظافة،
بل عاشق يمشط جدائل "البيرة"،
يريدها نظيفة، باسمة، مشعة كالشمس حين تقبل حجارة البلدة القديمة.
في حارتنا، رغم دفئها، قليل ما اتفقنا على شيء،
لكن الجميع يجزمون بطيبة قلب معتصم.
أيها العابر من شارع البيرة، يا مغتربا،
بين السادسة والسادسة وربعا من صباح لا ينسى،
قف لحظة،
وانظر إلى ذلك الرجل الذي يكنس الأرصفة دون أن يطلب شكرا،
قل له من أعماق قلبك:
شكرا لك،
لأنك اخترت أن تكون من هؤلاء الذين يخدمون بصمت،
شكرا لأنك جعلت من مدينتنا "البيرة" أجمل،
شكرا لأنك عراب الحمام، شكرا، معتصم، لأنك جاري،
ولأنك حين تمر، تذكرنا أن الحياة لا تقاس بطول القامة،
بل بطول اليد البيضاء.
أما إليك يا موسى، ابن معتصم، فلتفخر، فأبوك قلبه نافذة للخير،
تفيض دفئا وأمانا. يحميك الله، أخي أبو موسى.
محليات



