البيرة - بقلم: د. ايمان هريدي- في زقاق البلدة القديمة، حيث تنفض الحجارة غبار الحنين وتستنشق أنفاس الذاكرة، كنت أسير في جولة نحو شارع العلالي رفقة مجموعة من أبناء المدينة، صناع الفعالية ومنظموها، نتهيأ بإصرار واندفاع لإطلاق "سوق البيرة" في الأول من آب. في خضم هذا الصخب المنظم، وسط وجوه تروي حكايات الموروث، لفت نظري حضور سلوى قرعان، تلك التي لا يمكن للذاكرة أن تمر عليها مرور الكرام.
كنت أعرف سلوى في لحظة ابتسام، في عبق الزعتر الذي يداعب جدران الذاكرة. لم أرها تشتعل غضبا إلا في ذلك اليوم، غضب لم يكن فرديا، بل كان ثورة عاشق يسيء لمعشوقه. قالتها بوضوح صارخ:
البيرة أولا!
سألتها:
ما بك يا سلوى؟
فأجابتني بعينين لا تعرفان المجاملة:
لنكن على قدر المدينة يا ايمان.
لنجعل كل شيء في هذه الفعالية بيراويا خالصا… بيراويا كما الرغيف الخارج من الطابون، نقيا كالذهب حين يستخرج من تحت التعب، صافيا كما الماء حين يسيل من عين البيرة ليروي ذاكرة البيرة وينعش حجارتها القديمة ويذكرنا ان هذه المدينة لا تحتفى بها الا بما يليق بها.
تمشينا في زقاق البلدة، حيث الحنين يسير امامنا بخطى ثقيلة كأنه يسبقنا ليوقظ في حجر الحوش قصصا قديمة لا تزال تنبض في قلوبنا بصمت. اشارت سلوى باصبعها نحو الطريق وقالت بصوت خافت كأنه ينبثق من جذور الارض:
هنا… هنا كنت اجمع الحصى.
لم تكن تجمعها عبثا بل تختارها بعناية الطفلة التي تؤمن بان لكل حصاة روحا متجمدة وان للعب نظاما صارما لا يخترق. كانت الحصى تنتقى من حوش دار عامر منزل والدها ومن حوش دار سمرين بيت جدتها. هناك بين يديها الصغيرتين كانت تصف بعناية لتبدأ بعدها طقوس التركيز والتصويب لعبة متقنة بقوانين غير مكتوبة ولكنها محفوظة في ذاكرتها كنقش في الحجر.
وحين يتسلل الملل كما يفعل ظل الظهيرة كانت سلوى والفتيات يقفن يرسمن الحروف على التراب حرفي "O" و "X" ثم ينطلقن راكضات ضاحكات كأن الحياة لا وزن لها وكأن الزمان عصفور الشمس الفلسطيني الذي لا يمسك.
وعلى عتبات الحوش تجلس الأمهات كحارسات لذاكرة الحوش يطرزن بخيوط الحرير الذهبية يتبادلن الحكايات من ولدت هذا الاسبوع ومن زفت لعريسها ومن غابت عن دورها في سقاية الاغنام.
كانت تلك اللحظات كما قالت سلوى نسخا من حياة كاملة محفوظة في حجارة الزقاق وفي الحصى كانت تقول كل شيء دون ان تنطق.
وقفت سلوى هناك امام الجامع العمري لا كمن يزور معلم ديني بل كمن يطأ موضعا من الذاكرة لا يزال ينبض.
كان ذلك المكان يوما حوش والدها فسحة الطفولة وبوابة الحنين ومسرح اللعب والانتظار. تنهدت وكان في تنهدها ما لا تقوله الكلمات،
قالتها بصوت محمل بكثافة زمن لا يعود:
أتتعلمين؟ هنا كان بيتنا الحوش الذي علمني ان للظل اخوة وللجوع كرامة.
ثم ابتسمت:
أخي سرق بيض الجيران ذات مساء لم يكن لصا كان جائعا فقط.
لكن أمي ضربته.
ضربته لأنها تعرف كما كنا نعرف جميعا ان الجوع لا يبيح التعدي. في حوش البيرة لم نكن مجرد جيران كنا بيتا واحدا رغيفا واحدا.
حتى الغضب يقسم علينا بالتساوي كما الفرح كما النار في الطابون لا تخبز لرغيف دون اخر.
كانت سلوى حين تحدثت تعيد تشكيل مفهوم المكان لا كجغرافيا بل كذاكرة حية للبيرة…
كانها تقول:
ما يبنى من وجوه لا يتحول بل يبقى كما هو ساكنا فينا لا يغادر ولا يتغير.
ثم تابعت وهي تتأمل جدران الجامع وكأنها تفتش فيها عن ظلها:
كنا نركض بين الازقة كأننا نطارد الضوء حفاة نعم لكن بأرواح خفيفة لا تشكو تعبا ولا تعرف الملل.
نمشي المسافات الطويلة من أجل التعليم لا لان احدا امرنا بل لان المدرسة كانت لنا وطنا موازيّا مكانا نركض اليه لا منه.
روضتنا كانت هنا في المكان الذي يسمونه اليوم مقاطعة الرئاسة. ومدرستي الاعدادية حيث يقف بنك الأردن الآن بمحاذاة شارع جمال عبد الناصر.
ربما يظن البعض ان هذه المسافات شاقة على طفلة صغيرة لكننا لم نشعر بها يوما
لان الطريق لم يكن طريقا فقط
كان جسرا من الحنين كأننا لم نكن نمشي فوق الارض بل كنا نركض على ظهر ذاكرة دافئة لا تقطعها المسافة بل يختصرها الشوق.
كانت سلوى حين تحدثت تعيد رسم خريطة البيرة بذاكرتها بالحجر والوجوه والرائحة لا بالخريطة الورقية مدينة لا تقرأ بل تروى.
ثم التفتت اليّ، نظرت في وجهي نظرة مشبعة بالدفء والمكاشفة وقالت بصوت يحمل نبرة ضحكة بعيدة:
أتعلمين يا إيمان؟
هنا بين هذه الحارات الضيقة كنت أحب اللعب وأحب غناء الحجات البيراويات تلك الاغاني التي تمشي على قدمين فيها حنان الجدات وقوة النساء اللاتي لم يرفعن أصواتهن الا ليغنين.
كنت أطرب لأصواتهن وأتسلل بين أقدامهن لأرددها بصوتي الطفولي كأنني أتعلم النشيد الأول للحياة.
ثم ابتسمت ومدت يدها الى خصلة من شعرها وقالت كمن يستدعي مراة قديمة:
وكان الفتيات يحسدنني على شعري الكستنائي ذاك الذي كان ينسدل على كتفيّ مثل خيوط الحرير تماما كالتي كانت أمي تستخدمها في الخياطة.
أمي التي خاطت لي الطفولة غرزة غرزة دون أن تهدر خيطا واحدا من حنان.
أمي تلك المرأة التي لا تكسر.
كانت ببساطة صخرة البيت التي لا تنأ ولا تتعب ولا تطلب شيئا لنفسها.
قوية صبورة تمارس أعمال البيت كمن يؤدي طقسا مقدسا دون أن تنكسر ضفيرتها أو تفقد نبرة حنانها أو تساوم على كرامتها.
لا أعرف كيف كانت تفعل كل ذلك وأنا الآن أعرف كم هو شاق لكنها كانت تفعل كل يوم وكأنها تولد من جديد.
سكتت سلوى قليلا كأن الصمت ضرورة لاستدعاء ما هو أعمق من الكلمات ثم رفعت رأسها نحو حجارة أحد البيوت وقالت بنبرة من يعرف معنى أن يكون المكان مرآة للنفس:
الحوش بالنسبة لي ليس جدرانا وساحة
إنه ذاكرة مفتوحة أرشيف حي لصناعة التاريخ.
كل زاوية في البلدة القديمة في البيرة تحمل حوشا له اسوار كل سور لا يشبه سواه جميلا متناسق الحجارة مشغولا بالصبر يسمونه "سنسلة".
والبيت الخشبي بعتبته العالية يقودك الى الساحة الكبرى هناك حيث تجلس نساء الحوش مجتمعات يغزلن الحياة
ويسكبنها في طابون الخبز وفي عيون الأطفال وفي صمت الليل.
ذاك المكان لم يكن مجرد مكان.
كان كتابا مفتوحا نقرأ فيه أنفسنا ونكتب فيه ما تبقى منا.
وأضافت سلوى كأنها تسرد مشهدا من مسرحية ذاكرة البيرة:
وكان العمل منظما بدقة تفوق أي بلدية أو نقابة.
نظام لا يحتاج إلى لوائح مكتوبة بل إلى ضمير الحوش وميزان العدالة البيراوية.
لكل يوم نوبة ولكل امرأة دورها في إشعال الطابون وفي مد العجين وفي إدارة الصباح كأنه شأن دولة صغيرة.
ويا ويل من تتعدى على دورها.
حينها تقوم حرب الملاسنة
حرب الكلمات البيراوية الأصيلة تلك التي لا تترك للخصم إلا أن يتراجع بصمت.
ثم سكتت لحظة وقالت بنبرة تحمل اعتزازا لا يخفى:
أذكر يوما استشاطت أمي غضبا وفجرت بركانا على من تجرأت وتعدت على دورها.
صرخت في الحوش بصوت لا يقاوم:
كيف لها أن تفعل ذلك؟!
ألم تعرف أنني أنا من بنت هذا الطابون بيدي؟
بيديها كما قالت اللتين خبزتا الصبر
وربتانا على أن العدالة تبدأ من الطابون
من ترتيب الأدوار
من احترام الخبز الذي يصنع للجميع
لا لامتهان الكرامة ولا لتجاوز الجار.
هكذا كانت الأم وهكذا كان الحوش
مؤسسة تربوية سياسية اجتماعية
تعلمك كيف تكون إنسانا قبل أن تكون ابن بيت.
ثم نظرت اليّ كمن يريد أن يبوح سرا يوجعه منذ زمن وقالت بنبرة هادئة تخفي وراءها غصة:
أتتعلمين يا إيمان لماذا غضبت قليلا في الاجتماع؟
لأن فكرة سوق الحوش لم تكن مجرد مشروع عابر بالنسبة لي… كانت عودتي إلى البيت إلى جدران الطفولة التي لا تزال تنبض بداخلي.
عندما ولدت فكرة إقامة سوق شعبي في حوش أجدادي كنت أول من احتضنها. لم أحتج للتفكير أو التردد. دافعت عنها بشراسة وكأنني أدافع عن ذاكرتي عن اسمي عن صوت أمي في الصباح وهي تعجن خبز الطابون.
كيف لا أفعل والأحواش هي هويتنا المحفوظة تحت طبقات الحجر وموروثنا المتناقل عبر الاجيال؟
كيف لا؟
وأنا ما زلت أتنشق رائحة الملتيت والجرديش وذاك الخبز الذي كان يسحب من الطابون ساخنا نافثا ذاكرة الأيام…
أتذكرني حافية القدمين أركض نحو عربة أبو سماحة أشتري بوظة بطعم
الزمن تلك التي كانت تذوب ببطء لتذيب معها تعب الصيف وضجيج الحارة.
أنا ابنة البيرة…
أقولها كما تقال صلاة الفجر من أب عن جد لا أسكنها فقط بل أتنفسها تعيش في أنفاسي وتجري في عروقي.
ثم وكأن الحنين استبد بها أمسكت بيدي وقالت:
هيا بنا إلى دار سيدي.
قالتها بصوت عال نقي لا يعرف التردد
فصدح في الحارة الشرقية كترتيلة حب لا تنطفئ.
وقفت هناك في مواجهة الماضي وأشارت:
هنا كان جدي الشيخ حسان وهنا كانت جدتي.
انظري إلى هذه العتبة كم لعبنا فوقها كم بكينا وكم سهرنا.
انظري إلى الطابون كم تغيرت ملامحه.
حتى الأحجار حتى هي تبدو وكأنها تفتش عنا تنادينا بصمت.
ثم همست وقد امتلأت عيناها بالحنين:
ليتني أمتلك روحا أخرى أزرع بها الحياة في الذكرى وأحيي بها الطفولة في كل ركن.
ليتني أستطيع أن أعيد للذاكرة لحمها وللأماكن نبضها وللبلدة القديمة صوت أقدامنا الصغيرة وهي تركض صوب المستقبل دون خوف ودون أن تنسى الماضي.



