الكاتبة : د.ايمان هريدي
خاص ب"واثق نيوز"
في واحدة من أكثر الشهادات وجعًا، تتحدث شوق خضر، وهي سيدة أعمال من غزة، عن تجربتها المعلّقة بين الحياة والموت، بين الحنين والنجاة، بين الطموح والخراب. جاءت إلى الضفة الغربية قبل بدء الحرب الأخيرة بأيام، لمتابعة مشاريعها التجارية، ولم تكن تعلم أن تأخُّرها ليومين فقط سيكون الفاصل بين الحياة والمجزرة .
"غزة ليست مدينة… إنها مصيدة أحلام.
يولد فيها الحلم في ساعة قصف، ويموت حين يخونك الماء أو تأخرك صدفة عن موعد مجزرة.."
جمعة ما قبل الجحيم ...
تستعيد شوق، بصوت متهدج، لحظات ما قبل العدوان، فتقول:
"في مثل هذا اليوم، الجمعة 6 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كانت غزة جنة صغيرة تضحك فوق الرمل"، وكان السمك المشوي على الشاطئ مرادفًا للحياة. كانت الفلفلة الحارة على مائدة الأمهات رمزًا للمحبة. وكانت النساء هناك يحلمن مثل باقي نساء الكوكب: بجدار آمن، بصوت أم لا يزال يُنادي، وبغدٍ لا تفوح منه رائحة البارود. كانت غزة تضحك. كانت هناك أعراس، ومكالمات مصالحة، وخطوبة طال انتظارها، ومولود جديد، ووليمة المندي في باطن الأرض …
كنا ننام على أمل السبت. لكن غزة لم تستيقظ."
وفي صباح الأحد، تغيّر كل شيء. بدأ القصف. بدأت جغرافيا الحلم تتآكل، وتحوّلت الجنة إلى أرضٍ مستباحة، لا تزهر فيها سوى القبور ...
تأخرت يومين فنجوت… لكن أحلامي لم تنجُ"
"تأخّرتُ عن العودة يومين فقط، كانت كافية لإنقاذ حياتي… لكنها كانت كفيلة بقتل كل أحلامي .
حين سألتُها: كيف غيّرت الحربُ أحلامَكِ؟
صمتتْ… كأنها تُقيم صلاة الغائب على ما تبقّى من أحلامٍ هشّة. لم تنظر إليّ، بل نظرت نحو الغيم، نحو شيء لم أره، ثم همست بصوتٍ كان أقرب إلى البكاء المكبوت:
"أحلامي؟ لم تعد تشبه شيئًا. صارت أضغاث نجاةٍ لا أكثر… أن تستحم أمي بماء نظيف، أن تسدل أختي شعرها على وسادة لا تفوح منها رائحة البارود، أن يستيقظ الأحفاد على صوت الجدة لا على الطائرات.
أنا لا أريد قصرًا ولا سفرًا. أريد فقط بيتًا له أربعة جدران، له مطبخ تفوح منه رائحة الطبخ لا الحريق، وله باب نُغلقه لننام بسلام، لا لنحتمي من الموت." هذه أمنيات ناجية... من غزة.
ما بعد النجاة: أن تكوني حيّة بالصدفة
في غزة، لا تعني النجاة الحياة. إنها فقط فصل مؤقت بين مأساة وأخرى. هذا ما ترويه شوق رضوان ، السيدة الغزية التي وصلت الضفة الغربية بتصريح "سيدة أعمال"، تحمل في قلبها مدينة محطّمة، وفي حقيبتها أوراق مشاريع لم تكتمل.
"النجاة ليست نعمة دائمًا"، تقول شوق، "هي أحيانًا لعنة. لقد نجوت جسديًا، لكن لا يمكنني الادعاء أنني حيّة فعلًا. كل من أحببتهم ما زالوا هناك، بيتي، صوري، مطبخي، صوت أمي وأبي… كل شيء تحوّل إلى ركام. لم أعد أملك حتى ذكرى واحدة قابلة للعرض أو حتى للبكاء عليها."
فقدت شوق بيتها في غزة، مشاريعها التجارية، وشقيق زوجها، وأفرادًا من عائلتها. وبينما نجت جسدًا من القصف، بقيت روحها تحت الأنقاض. تقول بمرارة:
"أنا لا أخاف الموت. لكنّي كنت أود أن أموت بينهم. لا أن أعيش هنا وحدي، في الضفة، أعدّ جثثهم عن بُعد، وأحلم بحزنهم كلّ ليلة."
ما بعد النجاة، في حكاية شوق، ليس سوى شكل آخر من الفقد… أن تعيش دون أن تتمكن من لمس حياتك القديمة، دون أن تملك الحق في الحزن كما يجب، أو حتى في البكاء كما يليق بوطن محطّم.
امرأة بين نارين: بين حصار الاحتلال وتطرف الداخل
لكنّ الحرب ليست وحدها من نهشت تفاصيل حياة شوق. منذ الانقسام الفلسطيني الداخلي، كما تقول، تحوّلت النساء في غزة إلى جدار صدٍّ بين نارين: نار الاحتلال، ونار التطرف المجتمعي في غزة الذي فرض مفاهيم دينية مغلقة، لا تقبل الاختلاف، حتى بين النساء المحاصَرات.
لم تكن شوق ترتدي غطاء الرأس في غزة، وهذا جعلها "خارج الصف"، على حد تعبيرها، ما جعلها عرضة لمضايقات من جهات متعددة.
"نُحاصر في غزة مرتين: مرة من الاحتلال، ومرة من جماعات تُحرم علينا الحياة، وتمنعنا من الحلم، حتى بأبسط أشكاله.
وتضيف بصوت مخنوق:
"في غزة، المرأة لا تُمنع فقط من الفرح… بل من مجرد الوجود."
لا تتوقف المأساة عند الحصار الفكري. فالعدوان الإسرائيلي الأخير، كما تصفه، جاء ليكمل ما بدأه الداخل والخارج، عبر قصف النساء، تهجيرهن، حرمانهن من أدنى مقومات الحياة:
"نُهَنّ هنا، بلا ماء، بلا طعام، بلا كهرباء، نعيش بلا أمان، ندفن أبناءنا ونبحث عن من بقي حيًّا من أحبابنا."
زواج القاصرات… وصيغة "نجاة" من نوع آخر
ضمن إفاداتها، تشير شوق إلى ظاهرة تزويج القاصرات التي تفشت خلال الحرب، تحت ذريعة الحماية:
"صار يُنظر إلى زواج الفتاة الصغيرة كخلاص… من الفقر، من العصابات، من خطر الاعتداء، من الحرب. الفتاة لم تعد تُربّى لتحلم، بل لتنجو من الخطر القادم."
في شهادة صادمة، تكشف أن الموت في غزة لم يعد يأتي فقط من الاحتلال:
"يموت الناس هنا بالجوع، بالذل، بالفقد، بالخوف… بمزيج مرّ من الفقر والانفلات الأمني. نحن نساء نعيش في وطنٍ ينهشنا من الداخل والخارج."
عن التواصل مع من تبقّى من العائلة: صوتٌ يخترق الحطام
في ظلّ انقطاع الاتصالات والانهيار الكامل للبنية التحتية في غزة، تحوّل التواصل بين شوق خضر وعائلتها إلى مهمة مستحيلة، لا تتم إلا على هامش المجازر. تروي بحزن بالغ:
"اتفقنا مع أخي أن يخرج يومًا واحدًا في الأسبوع إلى منطقة فيها إنترنت فقط ليقول: نحن بخير.
يقولها بينما القصف من حوله يبتلع الأصوات، وأنا أعلم أنه يموت كل يوم… صمتًا، وجوعًا، وخوفًا."
لم يكن "نحن بخير" مجرد طمأنة، بل طقسًا أسبوعيًا يشبه أداء الواجب الأخير أمام ذاكرة تنهار. تحكي شوق كيف كان صوت أخيها المتقطع أشبه بنداء استغاثة مغطّى بغبار الركام، وملامح الذكريات التي تموت في كل مرة يُغلق فيها الاتصال.
شوق خضر: حين تصير الغربة داخل الوطن أقسى من المنفى
"أحمل تصريح سيدة أعمال، وعندي مشاريع قانونية مرخّصة. جئت للضفة لتوسيع عملي، لكنني كُسرت هنا أيضًا"، تقول بنبرة امرأة لم تعد تحتمل الصمت.
"كأن غزة لعنة نحملها معنا… حتى أهلنا في الضفة، حين يعرفون أنك من غزة، يبتعدون، كأنك وباء."
تجربتها تعكس واحدة من أكثر تبعات الانقسام الفلسطيني فتكًا: انقسام داخلي يتسلل إلى النسيج الإنساني، ليصنع فجوة بين الفلسطينيين أنفسهم.
ربما لا يكون الاحتلال وحده من يسلب حياة النساء، بل أيضًا ضيق الفكرة وضيق النظرة. باتت نساء غزة في الضفة يعاملن كمطرودات من وطنهن، لا لأنهن أخطأن، بل لأن الجرح صار يقيس الولاء بالجغرافيا لا بالانتماء.
شوق، التي جاءت بحثًا عن الأمان المهني والاستقرار، وجدت نفسها تقيم في دائرة من العزلة، تصحو وتنام على شعور بالرفض.
تقول بمرارة: "لم أكن أتوقع أن أحمل غربتي معي... لقد كسرت هنا أيضًا."
في صوتها، صدى لآلاف النساء الغزيات اللواتي يواجهن تمييزًا صامتًا داخل وطن واحد.
تختم قائلة: "نحن لسنا غرباء عنكم، بل أبناء الوجع نفسه. نريد فقط أن نُرى... كما أنتم.
في الختام، ليست شوق رضوان حالة فردية، بل صوت امرأة اختزلت حكاية وطن في جملة واحدة: "حتى الأمل في غزة… عليه حظر تجول."
غزة، التي يعرفها الجميع ولا يعرفها أحد، تتحوّل في شهادة شوق إلى مرآةٍ لمن نجوا بأجسادهم، لكن تركوا أرواحهم تحت الركام. لم تطلب شوق شفقة، بل إنصافًا. لم تتحدث لتبكي، بل لتفضح صمتًا طال أمده، وظلمًا اعتاد أن يُبرَّر.
في نهاية اللقاء، لم تطلب سوى أن يُسمع صوتها. أن يُروى حزنها لا بوصفه استثناء، بل كوجع جمعي، كصوت أم تدفن طفلها دون وداع، وامرأة تُمحى من الذاكرة لأنها من غزة.
قالت بهدوء يشبه الانفجار المؤجل:
"لو كتبت رواية، لن أكتب عن الحرب، بل عن كيف أصبحت الحياة ترفًا، والكرامة حلمًا، والنور أمنية."
شوق ليست فقط سيدة أعمال، بل شاهدة على عصر يُنسى فيه الإنسان مرتين؛ مرة تحت الأنقاض، ومرة. في الرواية التي لا تُكتب.



