القدس –خاص ب "واثق نيوز" – تقرير وتصوير أحمد جلاجل-في ظل التصعيد المستمر لسياسات الاحتلال الإسرائيلي ضد الوجود الفلسطيني في مدينة القدس، تبرز أزمة أوامر الهدم كواحدة من أخطر التحديات التي تهدد النسيج المجتمعي والسكاني في المدينة، فوفقًا لجهات حقوقية ومتابعين ميدانيين، هناك ما يزيد على 7,000 أمر هدم ساري المفعول في مختلف أنحاء القدس الشرقية، ما يجعل أكثر من 60,000 مواطن فلسطيني في دائرة الخطر المباشر لفقدان منازلهم وتشريد عائلاتهم.
سياسة ممنهجة لتهويد المدينة :
ترى المؤسسات الحقوقية أن أوامر الهدم لا تأتي بمعزل عن السياق السياسي العام، بل تُعد جزءًا من سياسة ممنهجة تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني في القدس وتعزيز السيطرة الإسرائيلية عليها. فغالبية المنازل المستهدفة بالهدم بُنيت دون ترخيص، وهي تراخيص ترفض بلدية الاحتلال منحها للفلسطينيين في معظم الأحياء العربية، ما يدفع السكان للبناء اضطرارًا لتوفير سكن لأسرهم.
ويشير المحامي المختص في قضايا الهدم، مهند جبارة، إلى أن "الاحتلال يستخدم قوانين التخطيط والبناء كأدوات قمع جماعي، ويُضيق الخناق على المقدسيين لمنعهم من التوسع الطبيعي داخل مدينتهم."
من جهته قال الباحث في شؤون القدس فخري ابو دياب: “ان سياسة الهدم في القدس تُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وتشكل جريمة تهجير قسري بحق السكان الأصليين.”
أرقام كارثية ومآسٍ إنسانية :
وبحسب تقارير كل من منظمتي "بتسيلم" و"عير عميم"، فقد تم تنفيذ مئات عمليات الهدم خلال السنوات الأخيرة، سواء عبر ما تُسمى بلدية القدس أو عبر "الإدارة المدنية" التابعة لجيش الاحتلال، فيما تُقدر الكلفة الإنسانية لهذه السياسات بنحو عشرات الآلاف من المشردين، غالبيتهم من النساء والأطفال.
ويؤكد المواطن عبد الكريم الرجبي، من بلدة سلوان، أن منزله مهدد بالهدم منذ أكثر من عام، وقد تلقى أكثر من إخطار، مضيفًا: “نحن نعيش في قلق دائم، كلما سمعنا صوت الجرافات نشعر أن الدور علينا، هذا ليس مجرد بيت، هذا عمرنا وذكرياتنا ومستقبل أولادنا.”
التهديد يشمل كافة أحياء القدس:
وتشمل أوامر الهدم معظم أحياء القدس الشرقية، مثل سلوان، جبل المكبر، العيسوية، الطور، بيت حنينا، وشعفاط، إضافة إلى البلدة القديمة. كما لا تسلم حتى الخيام والمنشآت الزراعية والتجارية في ضواحي القدس من خطر الإزالة.
وتتراوح الأسباب المعلنة للهدم ما بين البناء دون ترخيص، أو وجود مخالفات تنظيمية، لكن في واقع الأمر، تكمن خلف ذلك أهداف ديموغرافية وسياسية تهدف إلى خفض عدد الفلسطينيين لصالح مشاريع استيطانية توسعية.
صمود رغم الألم :
رغم كل محاولات التضييق، لا يزال أهالي القدس يواصلون صمودهم في وجه سياسات الإخلاء والتهجير. وتلعب لجان المقاومة الشعبية، إلى جانب محامين ومؤسسات حقوقية، دورًا مهمًا في تأجيل أوامر الهدم، وتقديم بدائل قانونية، وجمع التبرعات لإعادة البناء.
وفي هذا السياق، دعا ناشطون مقدسيون إلى حملة دولية عاجلة للضغط على الاحتلال لوقف سياسة الهدم، وتوفير حماية قانونية للبيوت والعائلات المهددة.
يُجمع المقدسيون على أن ما يجري في القدس من هدم للمنازل ليس مجرد إجراءات قانونية، بل هو سياسة تهجير قسري ترتقي إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي. ورغم المأساة، تبقى القدس شامخة بأهلها، وتظل منازلها، حتى وإن هُدمت، شاهدة على رواية شعب لا يزال يناضل من أجل البقاء في مدينته.
من جانبها، اعتبرت محافظة القدس القرار الجائر الصادر عن ما تُسمى المحكمة العليا الإسرائيلية، والقاضي برفض الاستئناف المقدم من عائلتي عودة وشويكي ضد أوامر إخلائهما من منازلهما في حي بطن الهوى، أحد أحياء بلدة سلوان في القدس الشرقية المحتلة، لصالح جمعية "عطيرت كوهانيم" الاستيطانية المتطرفة، قراراً يشكّل حلقة جديدة من مسلسل التهجير القسري الذي تمارسه سلطات الاحتلال بحق المواطنين المقدسيين، بهدف إحلال المستوطنين مكانهم، وفرض واقع ديمغرافي جديد يخالف بشكل صريح قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل السكان القسري في الأراضي المحتلة.
وحذرت المحافظة في بيان لها، من العواقب الإنسانية والاجتماعية الوخيمة التي ستترتب على طرد العائلات من منازلها، واكدت أن استهداف حي بطن الهوى لا يقتصر على العائلات المذكورة، بل يأتي في سياق خطة ممنهجة تسعى للسيطرة على الحي بأكمله، حيث تواجه نحو 84 عائلة فلسطينية – تضم قرابة 700 فرد – دعاوى إخلاء تعسفية، وقد تم بالفعل تنفيذ الإخلاء بحق 16 عائلة حتى الآن.
وأشارت المحافظة إلى أن المنازل الخمسة التي تشملها القرارات الأخيرة تسكنها 27 أسرة فلسطينية يبلغ عدد أفرادها 131 مواطنًا، معظمهم من الأطفال ولا يوجد لهم بديلا آخر يأويهم، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يُراد فرضها على الحي بأكمله.
وأكدت محافظة القدس، وهي تتابع ببالغ الخطورة هذا التصعيد الوحشي، رفضها القاطع لكافة أشكال الإخلاء القسري والتهجير المنظم بحق المواطنين الفلسطينيين في القدس، باعتبارها جرائم حرب تستوجب المساءلة الدولية.
كما وحملت سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عمّا قد يلحق بالعائلات من أضرار نفسية واجتماعية ومادية نتيجة طردها من منازلها.
ودعت المحافظة المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلى التدخل الفوري لوقف هذه السياسات الاستيطانية التهجيرية، والعمل على توفير الحماية الدولية لسكان مدينة القدس.
كما أكدت محافظة القدس، أنها ستتابع على كافة المستويات القانونية والسياسية والإعلامية، واتخاذ كافة السبل الكفيلة لوقف هذه الجرائم من أجل إفشال مخططات التهويد والاستيطان في المدينة.
وأضافت المحافظة أن ما يجري في بطن الهوى هو تطهير عرقي ممنهج لن يسقط بالتقادم، وستبقى القدس وأحياؤها الفلسطينية عنوانًا للصمود والمقاومة مهما بلغت التحديات.



