محليات

عشرات العائلات في تل عراد بالنقب بالعراء بعد هدم سلطات الاحتلال 40 منزلا ومنشآة

49 مشاهدة
عشرات العائلات في تل عراد بالنقب بالعراء بعد هدم سلطات الاحتلال 40 منزلا ومنشآة

النقب - واثق نيوز-  بعد هدم نحو 40 منزلًا ومنشآت للمواشي تعيش عشرات العائلات أوضاعًا إنسانية قاسية، وسط رفض الأهالي لأي حلول لا تتضمن اعترافًا رسميًا بقرية تل عراد وحقهم في البقاء على أرضهم.

وتحت ظل صهريج مياه نجا من الهدم، جلس إسماعيل أبو عايش (64 عامًا) من تل عراد، يتأمل قريته بعينين أنهكهما الدمار الذي خلّفته حملة الهدم الأخيرة. فمنذ أسابيع، وجدت عشرات العائلات نفسها في العراء بعد أن أُجبرت على هدم منازلها ذاتيًا بذريعة البناء دون ترخيص، في ظل أوامر الهدم التي أصدرتها السلطات الإسرائيلية. وبين ليلة وضحاها، أصبح أبو عايش وأبناؤه العشرة بلا مأوى، يواجهون مصيرًا مجهولًا في صحراء النقب.

لا تمثل قصة أبو عايش سوى واحدة من عشرات القصص التي تعكس واقع العائلات في تل عراد، حيث أُجبرت عائلات على هدم منازلها بأيديها. ولم تقتصر المعاناة على فقدان البيوت، بل امتدت إلى ملاحقة العائلات التي لجأت إلى المدرسة المجاورة طلبًا للمأوى، بعدما هددتها السلطات الإسرائيلية بإخلائها بالقوة، في وقت تعاني فيه القرية من انقطاع إمدادات المياه وارتفاع درجات الحرارة، ما فاقم الأزمة الإنسانية ودفع بعض العائلات إلى مغادرة المنطقة.

وتقع قرية تل عراد على سفوح إحدى التلال في النقب، ويقطنها نحو ثلاثة آلاف نسمة منذ خمسينيات القرن الماضي. وتواجه القرية مخططًا يهدف إلى إخلائها تمهيدًا لإقامة أربع بلدات يهودية على أراضيها، فيما شهدت الأسابيع الأخيرة هدم نحو 40 منزلًا، إضافة إلى 40 منشأة لتربية المواشي، ليتحول مشهد القرية إلى مساحة واسعة من الركام.

لم تقتصر آثار الهدم على المنازل، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، إذ تحولت الخيام وظلال المركبات إلى أماكن للاحتماء من حرارة الشمس، فيما بات تأمين المياه والمأوى التحدي الأبرز للعائلات التي فقدت منازلها.

وفي ظل هذه التطورات، يرفض أهالي تل عراد الدخول في أي مفاوضات شفهية مع السلطات الإسرائيلية، ويتمسكون بالحصول على تعهدات ووثائق رسمية تضمن الاعتراف القانوني بقريتهم وحقهم في أرضهم. ويستند هذا الموقف إلى تجربة أهالي قرية أم الحيران، الذين أُخليت قريتهم لصالح إقامة بلدة يهودية، قبل نقلهم إلى بلدة حورة، حيث واجه بعضهم لاحقًا أوامر هدم وإخلاء جديدة.

وقال أبو عايش لـ"عرب 48": "لقد ولدنا وترعرعنا في تل عراد، وسنبقى فيها ونموت على أرضها. لن نقبل بالترحيل مرة أخرى بعدما عانينا منه على مدار سنوات طويلة. نحن نعيش هنا منذ عقود، وهذه أرضنا التي لا يمكن أن نتخلى عنها".

وأضاف: "هجّرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أجدادنا من أراضيهم الأصلية، لكن الجيل الحالي لن يقبل بمغادرة أرضه مهما كانت الظروف".

وتابع: "لا نطلب العون إلا من الله، وليس من الوزراء المتطرفين أمثال بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، الذين يسعون بكل الوسائل إلى تهجيرنا. سنبقى هنا ولن نرحل، مهما هُدمت منازلنا".

وأكد أن السياسات المتبعة في النقب لا تقتصر على القرى غير المعترف بها، بل تمتد إلى البلدات العربية المعترف بها أيضًا، مضيفًا: "الحل الوحيد هو البقاء على الأرض والتمسك بها. نحن أصحاب هذه الأرض، ولن نقبل بحصرنا في مساحات ضيقة أو تجميعنا في مناطق محددة".

وعن ظروف الحياة في تل عراد، قال أبو عايش إن الأهالي يعيشون منذ عقود من دون شبكات مياه أو كهرباء، ويقيمون في خيام ومنازل من البناء الخفيف، مضيفًا: "يتحدثون عن الديمقراطية، بينما ممارساتهم تستهدف الإنسان والحجر والشجر".

وختم حديثه قائلاً: "تل عراد هي وطني وأرضي وحياتي، ولن أغادرها أبدًا".

وأكد عدنان النباري، وهو أب لعشرة أبناء وعضو في لجنة أولياء أمور الطلاب في تل عراد، لـ"عرب 48" أن ما جرى كان "هدمًا ذاتيًا" فرضته السلطات الإسرائيلية، موضحًا أن الأهالي هدموا نحو 40 منزلًا لتفادي الغرامات وتكاليف الهدم.

وقال: "لم يكن أمام الأهالي خيار آخر".

وأضاف أن القرية تتعرض منذ عام 2022 لتصعيد واسع يشمل جميع المنازل والمنشآت، وأن العائلات اضطرت إلى نقل الأطفال إلى المدرسة، قبل أن تُجبر على إخلائها لاحقًا.

ووصف النباري ما يحدث بأنه سياسة تهدف إلى تهجير السكان، مضيفًا أن أوامر الهدم تُستخدم كأداة ضغط ممنهجة، وأن ما يجري يحمل أيضًا أبعادًا سياسية وانتخابية.

وختم بدعوة الأهالي إلى التكاتف والصمود، والمشاركة في احتجاج مرتقب في بئر السبع رفضًا لسياسات الهدم.

وفي المقابل، قال خليل أبو عايش لـ"عرب 48" إن مشاهد الهدم والركام كانت صادمة، مشيرًا إلى أن العائلات فقدت منازلها وتحولت إلى الخيام أو العراء أو المدارس، فيما ينام بعض الأطفال تحت المركبات هربًا من الحر الشديد.

وأكد أن الأهالي لا يطالبون إلا باعتراف رسمي بقرية تل عراد، وحقهم في البقاء على أرضهم، معتبرًا أن ما جرى ترك أثرًا نفسيًا كبيرًا على السكان، خاصة مع استمرار أوامر الهدم بحق منازل متبقية.

ومع استمرار معاناة السكان تحت شمس النقب الحارقة، وبين ركام المنازل وظلال المركبات، يعيش أهالي تل عراد حالة ترقب ثقيل لمصير ما يزال مفتوحًا على مزيد من الهدم والقلق، في وقت يتمسكون فيه بحقهم في البقاء على أرضهم رغم كل ما فقدوه.