غزة-تقرير: واثق نيوز-في مشهد يختصر ملحمة الصمود الفلسطيني، تتحول خيام النزوح الممزقة في منطقة المواصي غرب خان يونس إلى قاعات دراسة افتراضية، وتستبدل الكراسات الورقية النادرة بكراتين طرود المساعدات الإغاثية، بينما يضيء شاشات الهواتف المحمولة المزودة بالطاقة الشمسية عقول جيل مصمم على ألا تسرق الحرب مستقبله.
ضحى الشواف (20 عاماً)، الطالبة في كلية الطب بالجامعة الإسلامية، ليست سوى نموذج حي لهذه الإرادة الفولاذية. بعد نزوحها القسري من عبسان الكبيرة مع أسرتها المكونة من سبعة أفراد، وجدت نفسها في خيمة تفتقر للكهرباء والماء، ومع ذلك، لم تتوقف عن مراجعة محاضراتها. تستخدم "كرتون المساعدات" كدفتر تسجل عليه ملاحظاتها، وتستعير ضوء الهاتف الخليوي لتحدي ظلام الليل، بينما تشكل تكاليف المواصلات الباهظة إلى الجامعة حاجزاً إضافياً في ظل غياب دخل ثابت لوالدها العاطل عن العمل.
هذه القصة، هي انعكاس مكثف لكارثة تعليمية غير مسبوقة؛ إذ طال الدمار نحو 90% من المدارس بين تدمير كلي وجزئي، وتحولت المباني المتبقية السليمة إلى مراكز لإيواء النازحين. وتكشف معطيات وزارة التربية والتعليم حتى أبريل/نيسان 2026 عن حجم المأساة البشرية: استشهاد 19,061 طالباً وجرح 28,337 آخرين، إضافة إلى استشهاد 801 كادر تعليمي وإصابة 3,291. وعلى صعيد التعليم العالي، تضررت 95% من المؤسسات الجامعية، ودُمر 22 حرمًا جامعيًا تدميراً كلياً من أصل 38، مع خسائر بشرية فادحة بلغت 1,375 شهيداً و2,988 جريحاً من الطلبة.
تفوق أكاديمي يتحدى الإبادة:
رغم القصف المتواصل، سجل أبناء غزة في امتحانات "التوجيهي" (الثانوية العامة) للعام الدراسي 2025/2026 نسب نجاح فاقت التوقعات، حيث بلغت النسبة في بعض المحافظات الجنوبية أكثر من 78%، مع وجود عشرات الطلاب الذين حصلوا على معدلات أعلى من 95% رغم نزوحهم أكثر من 5 مرات خلال العام. هذا التفوق لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج وعي مجتمعي بأن العلم هو السلاح الوحيد الذي لا يستطيع الاحتلال مصادرته.
"خيام العلم" والمدارس الميدانية:
تحولت الخيام إلى فصول دراسية جماعية، حيث يقوم المعلمون النازحون - الذين فقدوا منازلهم أيضاً - بتنظيم حلقات دراسية تطوعية بين الخيام، باستخدام السبورات البيضاء الصغيرة أو الطباشير البدائية، ويطلقون على هذه التجمعات اسم "مدارس الخيام". وتشير تقديرات الهيئات المحلية إلى وجود أكثر من 320 خيمة تعليمية موزعة على مناطق المواصي ودير البلح، تستقبل آلاف الأطفال لتعويض الفاقد التعليمي.
الثورة الرقمية البديلة والذكاء الاصطناعي:
مع شح الورق وارتفاع أسعار القرطاسية لأكثر من 500%، أصبح الهاتف المحمول والألواح الشمسية الوسيلة الذهبية للتعلم. لجأ الطلاب إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي (كـ ChatGPT ونظائره) لتلخيص المناهج وحل المسائل العلمية المعقدة، كما يستخدمون المنصات التعليمية المفتوحة (Open Educational Resources) لتعويض غياب المكتبات الجامعية المدمّرة. هذه الأدوات الرقمية حوّلت الخيمة إلى "جامعة متنقلة" تتجاوز حدود الحصار.
التعليم كملاذ نفسي:
في دراسة ميدانية أجرتها فرق الصحة النفسية المحلية، أكد أكثر من 85% من الطلاب النازحين أن الانكباب على الدراسة لم يعد مجرد التزام أكاديمي، بل تحول إلى آلية دفاع نفسي لمواجهة الصدمات اليومية؛ فالتركيز على حل مسائل الرياضيات أو حفظ المصطلحات الطبية يمنحهم إحساساً مؤقتاً بالحياة الطبيعية، ويحمي عقولهم من الانهيار أمام مشاهد القصف والفقدان.
المبادرات الشبابية التطوعية:
ظهرت مبادرات شبابية مذهلة مثل "مخيمات الأمل التعليمية" و"سباق المعرفة في زمن الحرب"، حيث ينظم متطوعون من الطلاب أنفسهم مسابقات علمية وجلسات تقوية للأطفال الصغار، باستخدام الألعاب التفاعلية والرسوم التوضيحية المرسومة على الرمال أو بقايا الأخشاب، مما يخلق بيئة تعليمية جاذبة رغم الفقر المدقع.
التحدي اللوجستي والمنح الدولية:
على الرغم من الحصار المشدد على دخول الأدوات التعليمية، تمكنت بعض المؤسسات الدولية من توفير منح رقمية وبطاقات شحن إنترنت للطلبة المتفوقين، كما قدمت جامعات عربية وأجنبية مقاعد دراسية مجانية عبر الإنترنت لطلاب غزة، لكن التحدي الأكبر يبقى في تقطع شبكة الإنترنت وضعف التغطية في مناطق الخيام، مما يجعل الوصول إلى هذه البدائل الرقمية معركة موازية.
في النهاية، تظل قصة ضحى وآلاف غيرها تجسيداً حياً لحقيقة واحدة: المعرفة لا تُقتل بالقنابل، والإرادة الفلسطينية تكتب دروسها على كراتين المساعدات وتنيرها بشاشات الهواتف، لتثبت للعالم أن مستقبل غزة لا يزال يدرس في خيامها، وإن تأخر موعد الامتحان.

