رئيس التحرير

شطب اتفاق الخليل: انقلاب على أوسلو أم إعلان وفاة متأخرة لمسار التسوية؟

11 مشاهدة
شطب اتفاق الخليل: انقلاب على أوسلو أم إعلان وفاة متأخرة لمسار التسوية؟

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير 

لم يكن إعلان وزير المالية الإسرائيلي المغرق بالتطرف بتسلئيل سموتريتش إلغاء الترتيبات المرتبطة باتفاق الخليل مجرد إجراء إداري يتعلق بصلاحيات التخطيط والبناء في البلدة القديمة من المدينة، بل مثّل حدثاً سياسياً بالغ الدلالة، لأنه يطال أحد آخر الرموز العملية المتبقية من منظومة الاتفاقات التي انبثقت عن مسار أوسلو. فحين يتحدث أحد أبرز قادة اليمين الديني القومي في إسرائيل عن "تصحيح خطأ تاريخي" خلّفته اتفاقيات أوسلو، فإنه لا يخاطب الشأن البلدي في الخليل بقدر ما يعلن موقفاً أيديولوجياً من كامل الفلسفة السياسية التي قامت عليها عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية منذ مطلع التسعينيات.

لفهم أبعاد هذه الخطوة، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية. ففي الثالث عشر من أيلول/سبتمبر 1993 وقّعت منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل ما عُرف بـ"إعلان المبادئ" أو اتفاق أوسلو، وهو أول اتفاق رسمي بين الطرفين، ونصّ على الاعتراف المتبادل وإقامة سلطة حكم ذاتي فلسطينية انتقالية تمهيداً لمفاوضات الحل النهائي خلال فترة انتقالية مدتها خمس سنوات. وقد اعتُبر الاتفاق آنذاك اختراقاً سياسياً غير مسبوق في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

لكن أوسلو لم يكن اتفاقاً واحداً، بل سلسلة من التفاهمات والترتيبات المرحلية. ففي عام 1995 جرى توقيع اتفاق أوسلو الثاني، أو اتفاق طابا، الذي قسّم الضفة الغربية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج)، وحدد نطاق الصلاحيات المدنية والأمنية الفلسطينية والإسرائيلية في كل منطقة. وكان الهدف المعلن نقل مزيد من المسؤوليات إلى السلطة الفلسطينية بصورة تدريجية وصولاً إلى تسوية نهائية تشمل القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات.

غير أن مدينة الخليل بقيت حالة استثنائية داخل هذا المسار. فالمدينة التي تحتضن الحرم الإبراهيمي الشريف وتُعد إحدى أكثر المدن الفلسطينية حساسية من الناحيتين الدينية والتاريخية، كانت أيضاً مركزاً لوجود استيطاني كثيف داخل النسيج العمراني الفلسطيني. وقد ازدادت تعقيدات الوضع فيها بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994 التي ارتكبها المستوطن المجرم باروخ غولدشتاين بحق المصلين الفلسطينيين، وهو الحدث الذي عمّق التوتر وأعاد تشكيل المعادلات الأمنية في المدينة.

وفي هذا السياق جاء بروتوكول الخليل عام 1997 باعتباره مكملاً لاتفاق أوسلو الثاني. فقد تم التوصل إليه بين حكومة بنيامين نتنياهو الأولى ومنظمة التحرير الفلسطينية، ونص على إعادة انتشار القوات الإسرائيلية وتقسيم المدينة إلى منطقتين: منطقة H1 التي تشكل نحو 80% من مساحة الخليل وتخضع للسلطة الفلسطينية، ومنطقة H2 التي تضم البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي والمستوطنات اليهودية وتبقى تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية. كما تضمن ترتيبات أمنية ومدنية خاصة، ووجوداً دولياً مؤقتاً لمراقبة الأوضاع.

لقد كان اتفاق الخليل في جوهره محاولة لإدارة التناقض بين مشروعين متصارعين: مشروع التسوية السياسية القائم على مبدأ الأرض مقابل السلام، ومشروع الاستيطان الذي يرى في الخليل قلباً رمزياً وتاريخياً للمشروع الصهيوني في الضفة الغربية. ولذلك لم يكن الاتفاق حلاً للصراع بقدر ما كان آلية لتجميده ومنع انفجاره.

اليوم، وبعد ما يقرب من ثلاثة عقود، تأتي خطوة سموتريتش لتكشف التحول العميق الذي أصاب المشهد الإسرائيلي. فاليمين الإسرائيلي المتطرف لم يعد ينظر إلى أوسلو باعتباره إطاراً يحتاج إلى تعديل أو تطوير، بل باعتباره خطأً استراتيجياً ينبغي تفكيك آثاره بالكامل. ومن هذه الزاوية، فإن إلغاء الترتيبات التخطيطية المنبثقة عن اتفاق الخليل لا يمكن فصله عن مشروع أوسع يسعى إلى تكريس السيادة الإسرائيلية المباشرة على أجزاء متزايدة من الضفة الغربية، وتحويل الواقع الاستيطاني إلى حقيقة قانونية وإدارية دائمة.

والأخطر من ذلك أن هذه الخطوة لا تستهدف فقط الجانب العملي للاتفاق، بل تضرب أحد المبادئ الأساسية التي قامت عليها عملية أوسلو، وهو مبدأ التدرج نحو نقل الصلاحيات للفلسطينيين. فإذا كانت الاتفاقات الانتقالية قد صُممت بوصفها جسراً نحو تسوية نهائية، فإن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة توحي بأن هذا الجسر لم يعد قائماً في نظر صناع القرار الإسرائيليين الحاليين.

سياسياً، يمكن قراءة موقف سموتريتش باعتباره إعلاناً صريحاً عن انتقال إسرائيل من مرحلة "إدارة الصراع" إلى مرحلة "إعادة تعريفه". فبدلاً من التفاوض حول مستقبل الأراضي المحتلة، يجري العمل على إعادة تشكيل الوقائع الميدانية والقانونية بما يجعل أي انسحاب مستقبلي أكثر صعوبة، وربما أكثر استحالة. وهنا تكمن خطورة الخليل تحديداً، لأنها ليست مجرد مدينة فلسطينية، بل رمز ديني وتاريخي يحمل ثقلاً استثنائياً لدى الفلسطينيين .

أما فلسطينياً، فإن شطب اتفاق الخليل يعيد طرح السؤال القديم الجديد حول مصير اتفاقيات أوسلو نفسها. فمنذ سنوات طويلة يتحدث الفلسطينيون عن تآكل الاتفاقات نتيجة التوسع الاستيطاني وتراجع فرص الحل السياسي. لكن الجديد اليوم أن مسؤولين إسرائيليين باتوا يعلنون بصورة مباشرة رغبتهم في التخلص من بعض مخرجات تلك الاتفاقات، لا باعتبارها إجراءات مؤقتة انتهى مفعولها، بل باعتبارها عقبة أمام المشروع الاستيطاني.

إن ما يجري في الخليل يتجاوز حدود المدينة نفسها. فهو مؤشر على صراع أعمق حول طبيعة النظام السياسي والقانوني الذي سيحكم الضفة الغربية في المستقبل. وإذا كان أوسلو قد قام على فكرة الشراكة الانتقالية وصولاً إلى حل تفاوضي نهائي، فإن السياسات الحالية تشير إلى اتجاه مغاير يقوم على تثبيت السيطرة الإسرائيلية طويلة الأمد وتقليص الحيز السياسي الفلسطيني إلى الحد الأدنى.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى شطب اتفاق الخليل باعتباره قراراً فنياً أو إدارياً. إنه حدث سياسي يحمل دلالات تتجاوز الخليل وأوسلو معاً. فحين يُمسّ أحد آخر البروتوكولات الحية المنبثقة عن عملية السلام، فإن الرسالة تتجاوز المدينة لتصل إلى مجمل المشروع السياسي الذي انطلق في واشنطن عام 1993. ولذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان اتفاق الخليل قد أُلغي، بل ما إذا كانت إسرائيل الحالية تعلن عملياً نهاية المرحلة التاريخية التي بدأتها اتفاقيات أوسلو قبل أكثر من ثلاثة عقود، واستبدالها بمرحلة جديدة عنوانها فرض الوقائع لا التفاوض عليها.